سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣١ - الباب السابع في تواضعه (صلّى اللّه عليه و سلّم)
الباب السابع في تواضعه (صلّى اللّه عليه و سلّم)
قال اللّه سبحانه و تعالى لنبيه (صلّى اللّه عليه و سلّم): وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء ٢١٥] يعني ليّن جانبك، و أرفق بهم، أمره اللّه تبارك و تعالى بالتواضع، و اللين، و الرفق لفقراء المؤمنين، و غيرهم من المسلمين.
و روى أبو نعيم و ابن عساكر من طرق عن ابن عباس موقوفا، و ابن سعد عن عائشة، و أبو نعيم عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهم مرفوعا أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بينما هو جالس، و معه جبريل (عليه السلام)، إذ انشق أفق السماء، فأقبل جبريل يدنو من الأرض، و يدخل بعضه في بعض، و يتضاءل فإذا ملك قد مثل بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و في لفظ: إن اللّه سبحانه تعالى أرسل إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ملكا من الملائكة حجزته تساوي الكعبة، ما هبط على نبي قبلي، و لا يهبط على أحد بعدي، و هو إسرافيل (عليه السلام)، فقال: «السلام عليك يا محمد، إن ربك يقرئك السلام، أنا رسول ربك إليك، أمرني أن أخيّرك: إن شئت نبيا عبدا، و إن شئت نبيا ملكا»، فنظرت إلى جبريل (عليه السلام) كالمستشير، فأشار إليّ جبريل بيده، أن تواضع، فقلت، «بل نبيا عبدا، يا عائشة لو قلت: نبيا ملكا، ثم شئت لسارت معي الجبال ذهبا»، قالت عائشة: و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد ذلك يأكل متكئا و يقول: «آكل كما يأكل العبد، و أجلس كما يجلس العبد»
للحديث طرق تأتي في باب زهده (صلّى اللّه عليه و سلّم).
و روى ابن سعد عن حمزة بن عبيد اللّه بن عتبة قال: كانت في رسول اللّه خصال ليست في الجبّارين، كان لا يدعوه أحمر، و لا أسود، إلا أجابه، و كان ربما وجد تمرة ملقاة فيأخذها، فيرمي بها إلى فيه، و إنه ليخشى أن تكون من الصدقة، و كان يركب الحمار عريا، ليس عليه شيء.
و روى الإمام أحمد و مسلم عن أبي ذر رضي اللّه تعالى عنه قال: ركب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حمارا و أردفني خلفه.
و روى ابن عديّ عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت: خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قد عقد عباءة بين كتفيه فلقيه أعرابي فقال: لم لبست هذا يا رسول اللّه؟ فقال: «ويحك، إنما لبست هذا لأقمع به الكبر» [١].
و روى أبو داود و التّرمذي عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)
[١] ذكره الذهبي في الميزان (٤٥٣٠) (٨٧٩٠) و ابن حجر في اللسان ٦/ ٣٤٠.