سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٢ - تنبيهات
أنت و أمي ما أحلمك!»، و لا تزيده كثرة الأذى إليه إلا حلما، بشهادة ما تقدم و مما حصل له يوم أحد.
الثاني: الصبر على الأذى جهاد النفس، و قد جبل اللّه تعالى النفس على التألم بما يفعل بها، و لهذا شقّ عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) نسبة بعض المنافقين له الجور في القسمة، لكنه حلم و صبر لما علم من جبريل ثواب الصابرين، و أن اللّه تعالى يأجرهم بغير حساب، و صبره (صلّى اللّه عليه و سلّم) على الأذى إنما هو فيما كان من حق نفسه، و أما إذا كان للّه تعالى فإنما يمتثل فيه أمر اللّه تعالى من الشدة، كما قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَ الْمُنافِقِينَ وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التحريم ٩] و قد وقع أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) غضب لأسباب مختلفة، مرجعها إلى أن ذلك في أمر اللّه تعالى، و أظهر الغضب فيها ليكون أوكد في الزّجر، فصبره و عفوه إنما كان يتعلق بنفسه الشريفة (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و
قد قال (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما شجّ المشركون وجهه: «اللهم اهد قومي»
و قال حين شغلوه عن الصلاة: «ملأ اللّه قلوبهم نارا»،
فتحمّل الشّجّة الحاصلة في وجه جسده الشريف، و ما تحمّل الشّجّة الحاصلة في وجه دينه المنيف، فإن وجه الدين هو الصلاة، فرجح حق خالقه على حقه (صلّى اللّه عليه و سلّم).
الثالث: قال القاضي في
قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «اللّهمّ اهد قومي فإنهم لا يعلمون»:
انظر ما في هذا القول من إجماع الفضل، و درجات الإحسان، و حسن الخلق، و كرم النفس، و غاية الصبر و الحلم، إذ لم يقتصر (صلّى اللّه عليه و سلّم) على السكوت عنهم، حتى عفا، ثم أشفق عليهم، و رحمهم، و دعا، و شفع لهم، فقال: «اللهم اهد و اغفر»، ثم أظهر الشفقة و الرحمة بقوله: «لقومي»، ثم اعتذر عنهم لجهلهم، فقال: «إنهم لا يعلمون».
الرابع: في بيان غريب ما سبق:
العفو: المساهلة، و ترك المؤاخذة، و البحث عن مذامّ الأخلاق: أي أخذ ما سهل من أخلاق الناس، و أفعالهم، من غير كلفة، و لا طلب ما يشقّ عليهم حذرا من أن ينفروا من حوله.
السّمرة: بسين مهملة مفتوحة، فميم مضمومة، فراء، فتاء تأنيث ضرب شجر الطّلح.
الغرّة: بغين معجمة مكسورة، فراء مشددة: الخدعة.
الصّرف: بصاد مهملة مكسورة، فراء ساكنة، ففاء: شجر أحمر يدبغ به الأديم.
زيد بن سعنة: بسين مهملة، فعين، فنون مفتوحتين، كما قيده به الحافظ عبد الغني، و جرى عليه الدّار قطني و الأمير و بالمثناة التحتية ثبت في نسخ الشّفا، و أن مصنفه صحح عليه، و هو الذي ذكره ابن إسحاق، قال الذهبي في التّجريد: و الأول أصح.
تمر الذّخيرة: بذال، و خاء معجمتين، قال في النهاية: هو نوع من التمر معروف. الرميّة تقدم الكلام عليها و اللّه أعلم.