سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤١ - تنبيهان
كريم الطبيعة، جميل المعاشرة، طليق الوجه، بسّام من غير ضحك، محزون من غير عبوس، شديد من غير عنف، متواضع في غير مذلّة، جواد في غير سرف، رحيم بكل ذي قربى و مسلم، رقيق القلب، دائم الإطراق، لم يبشم قط من شبع، و لم يمد يده إلى طمع قط، قال أبو سلمة:
فحدثت عائشة بهذا الحديث كله عن أبي سعيد فقالت: ما أخطأك حرفا، و لقد قصّر أما أخبرك أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يمتلئ شبعا قط، و لم يبث إلى أحد شكوى، و إن كانت الفاقة أحبّ إليه من اليسار، و الغنى، إن كان ليظل جائعا يلتوي ليلته حتى يصبح فلا يمنعه ذلك من صيام يومه، و لو شاء أن يسأل ربه فيؤتى بكنوز الأرض و ثمارها، و رغد عيشها، من مشارقها و مغاربها لفعل، قالت: و ربما بكيت رحمة مما أراني له من الجوع فأمسح بطنه بيدي و أقول: نفسي لك الغداء لو تبلغت من الدنيا بقدر ما يقوتك، و يمنع الجوع، و يقول: يا عائشة: إن إخواني من أولي العزم من الرسل قد صبروا على ما هو أشد من هذا، فمضوا على حالهم، فقدموا على ربهم، فأكرم مثابهم، و أجزل ثوابهم، أستحي إن ترفهت في معيشتي أن يقصر بي دونهم فالصبر أياما يسيرة أحب إلي مما ينقص حظي غدا في الآخرة، فما من شيء أحب إلي من اللّحوق إلى إخواني في سنده ميسرة بن عبد ربه.
تنبيهان
الأول: تقدم في حديث حسن أنه لم يكن له (صلّى اللّه عليه و سلّم) بوّاب،
عن أنس قال: مر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بامرأة، و هي تبكي عند قبر، فقال: «اتقي اللّه، و اصبري»،
قالت: إليك عني، فإنك تخلو من مصيبتي، قال: فجاوزها، و مضى، فمر بها رجل فقال: ما قال لك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ قالت: ما عرفته؟ قال: إنه لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قال: فجاءت إلى بابه، فلم تجد عليه بوابا ... الحديث، و لا يخالف هذا حديث أبي موسى أنه كان بوابا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما جلس على القف، لأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا لم يكن في شغل من أهله، و لا انفراد من أمره، يرفع الحجاب بينه، و بين الناس، و يبرز لطالب الحاجة إليه، و في حديث عمر بن الخطاب حين استأذن له الأسود في قصة حلف ألا يدخل على نسائه شهرا، ففيه أنه كان في وقت خلوته بنفسه يتخذ بوابا، و لو لا ذلك لاستأذن عمر لنفسه، و لم يحتج إلى قوله: يا رباح استأذن لي، و يحتمل أن يكون سبب استئذان عمر أنه خشي أن يكون وجد عليه بسبب ابنته، فأراد أن يختبر ذلك باستئذانه عليه، فلما أذن اطمأن قاله الحافظ.
الثاني: في بيان غريب ما سبق:
التواضع: مصدر تواضع: هو هضم النفس من الملكات المرضية المورثة للمحبة من اللّه و من خلقه.