سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٩ - الباب الثالث في حلمه و عفوه مع القدرة له (صلّى اللّه عليه و سلّم)
لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فانفضحت حياء من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كراهية أن يكون يدري، و قد قال لهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما قال [١].
و روى أبو الشيخ، و ابن حبّان عن جابر رضي اللّه تعالى عنه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) جعل يقبض يوم حنين من فضة في ثوب بلال، و يفرقها، فقال له رجل: يا رسول اللّه أعدل، فقال:
«ويحك، من يعدل إذا أنا لم أعدل؟ قد خبت و خسرت إن كنت لا أعدل» فقال عمر رضي اللّه تعالى عنه: ألا أضرب عنقه فإنه منافق؟ فقال: «معاذ اللّه أن يتحدث أني أقتل أصحابي [٢]».
و روى مسلم عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه قال: لما كان يوم حنين آثر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ناسا في القسمة ليؤلفهم، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، و أعطى ناسا من أشراف العرب، و آثرهم يومئذ في القسمة، فقال رجل: إن هذه لقسمة ما عدل فيها، و ما أريد بها وجه اللّه تعالى، قال: فقلت: و اللّه لأخبرنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فأتيته، فأخبرته بما قال، فتغير وجهه حتى كان كالصّرف، ثم قال: «فمن يعدل إن لم يعدل اللّه و رسوله؟ ثم قال:
يرحم اللّه موسى (عليه السلام)، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر [٣]».
و روى ابن حبّان، و الحاكم، عن عبد اللّه بن سلام رضي اللّه تعالى عنه: أن زيد بن سعية- و هو أحد علماء أهل الكتاب من اليهود- و قال النووي (رحمه اللّه تعالى): هو أحد أحبار اليهود الذين أسلموا- قال: إنه لم يبق من علامات النّبوة شيء إلا و قد عرفتها في وجه محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين نظرت إليه، إلا اثنتين لم أخبرهما منه: أن يسبق حلمه جهله، و لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه، فابتعت منه تمرا معلوما إلى أجل معلوم، و أعطيته الثمن، فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة، أتيته، فأخذت بجامع قميصه و ردائه، و نظرت إليه بوجه غليظ، فقلت: يا محمد ألا تقضيني حقي؟ فو اللّه إنكم يا بني عبد المطلب لمطل، و قد كان لي بمخالطتكم علم فقال عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه:
أي عدوّ اللّه، أتقول لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما أسمع؟ فو اللّه لو لا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي رأسك،
و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ينظر إلى عمر في سكون، و تؤدة، و تبسم، ثم قال: «أنا و هو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، تأمرني بحسن الأداء، و تأمره بحسن التّباعة اذهب يا عمر فاقضه حقه، و زده عشرين صاعا، مكان ما رعته»،
ففعل عمر رضي اللّه تعالى عنه، فقلت:
[١] تقدم.
[٢] أخرجه مسلم في الزكاة (١٤٢) و أحمد ٣/ ٣٥٣ و الطبراني في الكبير ٢/ ٢٠١ و ابن أبي عاصم ٢/ ٤٦٠ و البيهقي في الدلائل ٥/ ١٨٦.
[٣] تقدم.