خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ٢٩٧ - ٢-ما قاله العلماء و النقّاد في «البديعية» و «شرحها» (تقاريظ و مآخذ)
و در لحكم زمان كلّما دار، و صير الناس إن صحبهم سكنا و دارهم، فلبيب القوم من دارى إلى نصرهم و ما أظنّ هذا الجزار إلاّ قاصرا على الاستعار» .
هذا ما كتبته بخطّي حين طالعتها، و أنا الفقير مصطفى بن محمد البرهاني الداغستاني سنة ١٢٣٢ هـ. ، في ربيع الثاني» .
هذا بالإضافة إلى تقاريظ و مآخذ أخرى، قد وردت مبثوثة في ثنايا هذه الدراسة، أثناء الكلام على قيمة هذه الخزانة، و أثرها في الأدب و النقد و البلاغة [١] .
و يبقى لـ «تقديم أبي بكر» و «شرحه» مآخذ معدودة، لعلّ أهمّها ما نلاحظه على ابن حجة من عدم تورّعه عن ذكر بعض الشواهد الشعرية الفاحشة، التي يجدر بأرباب الأقلام و الأدب أن يربئوا بأنفسهم عن ذكرها أو التلفّظ بها، و لا سيّما إذا عرفنا أن ابن حجّة كان قادرا على أن يأتي ببديل عنها، إذ جاء بها للتمثيل على الأنواع البديعية، و كيف له أن يستشهد بمثل تلك الأشعار في شرحه، و هو الذي وضع للبديعية قواعد و شروطا في «الأدب و الاحتشام» لكونها مديحا نبويّا؟و هو القائل:
«... إن الغزل الذي يصدّر به المديح النبويّ، يتعيّن على الناظم أن يحتشم فيه و يتأدّب و يتضاءل و يتشبّب، مطربا بذكر «سلع» و «رامة» و... و يطرح ذكر محاسن المرد، و التغزّل في ثقل الردف... و بياض الساق و حمرة الخدّ... و قلّ من يسلك هذا الطريق من أهل الأدب» [٢] . و هل يعني ذلك أنّ على الناظم أن يحسن أدبه في نظمه للبديعية، و يترك الأدب و الاحتشام و التعفّف في «شرحه لها» ؟!
و ما يلاحظ في «شرحه» أيضا ظاهرة الإطالة في الشرح، التي قد تبلغ أحيانا حدّ الملل، و إن كان يبرّر بين الحين و الآخر ورود مثل هذه الإطالة التي كان يتحاشى الوقوع فيها؛ و حسبك أن تنظر في شرحه لباب «التورية» لترى ما وصلت إليه من الإطالة و الاستطراد. و ليس هذا و حسب، فقد طالعنا ابن حجة في خزانته بظاهرة أخرى، هي ظاهرة «التكرار» ، فكثيرا ما تراه يكرّر البيت أكثر من مرّة، في أكثر من موضع، و لعلّ ذلك يعود لما يقتضيه الاستشهاد على النوع البديعيّ بأبيات، يمكن
[١] لم أذكر هذه التقاريظ و المآخذ هنا، منعا للتكرار، و لتراجع هذه في مكانها من البحث.
[٢] خزانة الأدب و غاية الأرب باب «براعة الاستهلال» ١/٣٤٢-٣٤٤.