خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ٢٩٨ - ٢-ما قاله العلماء و النقّاد في «البديعية» و «شرحها» (تقاريظ و مآخذ)
الاستشهاد بها على أنواع بديعية أخرى، كما يعود لخلطه بين شواهد بعض الأبواب، كما في شواهد «التوجيه» و «التورية» ، و غيرهما، و أبرز هذه الشواهد المكرّرة ما أورده من شعر جمال الدين بن نباتة الذي أخذه عن علاء الدين الوداعيّ.
و ما يؤخذ على ابن حجة في خزانته أنه كان في نقده أحيانا إذا أحبّ شاعرا أعجب بشعره، فإذا أثنى عليه ألبسه من ثياب الثناء و المدح حلّة سيراء، و أفرط في تعظيم صنيعه، و إذا غضب على شاعر تناوله بالقدح و الذمّ، و اتّهمه بسوء الصنيع أو السرقة أو التطفّل على موائد الفحول... فمن الذين أثنى عليهم في جلّ نقده الشيخ جمال الدين بن نباتة، و علاء الدين الوداعي، و القاضي الفاضل، و أغلب أنصار «التورية» ، أمّا الذين تحامل عليهم فأغلبهم من أنصار «الجناس» ، و على رأسهم صلاح الدين الصفديّ، و ابن العطّار، كما يؤخذ عليه في نقده أحيانا إصداره للأحكام النقديّة التي تعوزها الدقة و وضوح المقياس النقديّ و الصوابيّة، فكثيرا ما كان يكيل المدح و الثناء و يفرط في الاستحسان لمجرّد ظاهرة بسيطة لا تستحقّ جزءا يسيرا من هذا الاستحسان، بالإضافة إلى الثناء الذي كاله بغير حساب لبعض أصدقائه، و إنّك لتجد شواهد ذلك في معظم أبواب «الخزانة» ، و أبرز مثال على ذلك انحيازه في الحكم أثناء تحكيمه بين الشيخين صفيّ الدين الحليّ و جمال الدّين بن نباتة، إذ يقول (من الطويل) :
تصفّحت ديوان الصفيّ فلم أجد # لديه من السّحر الحلال مرامي
فقلت لقلبي دونك ابن نباتة # و لا تتبع الحلّيّ فهو حرامي [١]
و مهما يكن من أمر هذه البديعية و شرحها و ما قيل فيها من أقوال، فإنها تبقى خزانة للأدب و موسوعة لمختلف العلوم السائدة في عصر ابن حجّة، و لا أبالغ إذا قلت ما قاله ابن حجر فيها: هي «مجموع أدب قلّ أن يوجد في غيره، و لعلّ مقتنيه يستغني عن غيره من الكتب الأدبية، و لو لم يكن له فيه إلاّ جودة الشواهد لكلّ نوع من الأنواع مع ما امتاز به من الاستكثار من إيراد نوادر العصريين للضرب بها على غير أهلها، فإن مالكه مرتفع عنه كلفة العارية» [٢] .
[١] البيتان مخرّجان في مكانهما من الخزانة.
[٢] النسخة «ك» من مخطوطة الخزانة، الصفحة الأولى قبل صفحة العنوان.