التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٧ - القلوب أوعية فخيرها أوعاها
قلوبهم فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ يعني بالقليل بأنّهم يصدّقون بأنّه من اللّه، و كفروا بما سواه ممّا جاء به محمّد فذلك قوله- عزّ و جلّ-: في النساء[١]: فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا[٢].
القلوب أوعية فخيرها أوعاها
كلام نورانيّ فاضت به قريحة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام حينما أخذ بيد كميل بن زياد النخعي و أخرجه إلى الجبّانة بظهر الكوفة، فلمّا أصحر تنفّس الصعداء، ثمّ قال:
[٢/ ٢٦٥٧] «يا كميل ... إنّ هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها، فاحفظ عنّي ما أقول لك:
الناس ثلاثة، فعالم ربّانيّ، و متعلّم على سبيل نجاة، و همج رعاع أتباع كلّ ناعق، يميلون مع كلّ ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، و لم يلجئوا إلى ركن وثيق.
يا كميل، العلم خير من المال، العلم يحرسك و أنت تحرس المال. و المال تنقصه النفقة و العلم يزكو على الإنفاق، و صنيع المال يزول بزواله.
يا كميل، معرفة العلم دين يدان به، به يكسب الإنسان الطاعة في حياته، و جميل الأحدوثة بعد وفاته. و العلم حاكم، و المال محكوم عليه.
يا كميل، هلك خزّان الأموال و هم أحياء، و العلماء باقون ما بقي الدهر: أعيانهم مفقودة، و أمثالهم في القلوب موجودة».
ثمّ قال عليه السّلام: «ها، إنّ هاهنا لعلما جمّا- و أشار بيده إلى صدره- لو أصبت له حملة! بلى أصبت لقنا غير مأمون عليه[٣]، مستعملا آلة الدين للدنيا، و مستظهرا بنعم اللّه على عباده، و بحججه على أوليائه، أو منقادا لحملة الحقّ لا بصيرة له في أحنائه[٤]، ينقدح الشكّ في قلبه لأوّل عارض من شبهة. ألا، لا ذا و لا ذاك! أو منهوما باللذّة، سلس القياد للشهوة، أو مغرما بالجمع و الادّخار. ليسا من رعاة الدين في شيء، أقرب شيء شبها بهما الأنعام السائمة! كذلك يموت العلم بموت حامليه!»
ثمّ قال عليه السّلام: «اللّهم بلى! لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة، إمّا ظاهرا مشهورا، و إمّا خائفا
[١] النساء ٤: ٤٦ و ١٥٥.
[٢] تفسير مقاتل ١: ١٢٢.
[٣] اللقن: السريع الفهم و لكن غير متحفّظ.
[٤] جمع حنو، و هو جانب الضلوع .. كناية عن عدم التبصّر و قلّة الوعي.