التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٧ - سورة البقرة(٢) الآيات ٥٨ الى ٥٩
قدرة اللّه العزيز الجبّار، الأمر الذي كان يبعثهم على الجرأة و الشجاعة و الإقدام، و غير مهابين من أحد و لا خائفين من شيء.
هذا الأمر كان في بدء الأمر موجّها إلى العيون الاثني عشر الّذين بعثهم موسى لغرض الاستطلاع و استخبار الحال، ليعودوا بالبشائر و الترغيب في المكافحة و النضال. الأمر الذي وفى به اثنان منهم و هما: يوشع و كالب. فجعلا يحرّضان القوم و يشجّعانهم على الجرأة و القيام.
أمّا العشرة الباقية فعاكسوا الدستور و جعلوا يجبّنون القوم و يثبّطونهم. و بدلا من أن يذكروا وفور النعم و فيض بركاتها، جعلوا يزهّدونهم فيها باستقلالها و الاستهانة بها.
كما أنّهم بدلا من أن يذكروا الثغرات المؤاتية لإمكان الظفر على القوم، جعلوا يصفون من قوّة القوم و شكيمتهم، بما كاد يهول بني إسرائيل و يوجب إحجامهم عن القيام و الإقدام.
و هذا معنى قوله تعالى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ. أي بدلا من أن يذكروا ما يثبّت عزيمة القوم، ذكروا ما يثبّطهم.
فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا و هم العشرة المتخلّفة رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ.
و الرّجز: العذاب. قال الخليل: و كلّ عذاب أنزل على قوم فهو رجز[١].
قال أبو إسحاق: و معنى الرّجز في القرآن هو العذاب المقلقل، لشدّته، و له قلقلة شديدة متتابعة[٢]. أي البلاء النازل المورث للاضطراب المتتابع حتّى الهلاك. و من ثمّ فسّروه بالوباء أو الطاعون من الأوبئة التي توجب اضطرابا متتابعا، و تسريعا إلى الهلاك.
و خصّ بالذين ظلموا- و لم يعمّ القوم- لأنّ الّذين بدّلوا القول هم العشرة المتخلّفة المثبّطة للقوم.
*** هذا و أمّا الروايات الواردة بشأن هذا الحادث الخطير، فأكثرها مشوّهة و مشوّشة إلى حدّ بعيد.
و يبدو أنّها من مصطنعات اليهود و عامّيّاتهم الشائعة، تسرّبت إلى التفسير و التاريخ[٣]. و ليس فيها
[١] العين ٦: ٦٦.
[٢] لسان العرب ٥: ٣٥٢.
[٣] كما قال العلّامة ابن خلدون: كانت العرب يراجع أهل الكتاب قبلهم، و هم أهل التوراة من اليهود و من تبعهم من حمير، و هم يومئذ بادية مثلهم لا يعرفون سوى العامّيّات الشائعة و أكثرها خرافات و أساطير بائدة! قال: و تساهل المفسّرون فدبّجوا كتبهم بهذه المنقولات العامّيّة يرويها أناس لا علم لهم و لا معرفة و لا تحقيق بمعرفة ما ينقلونه، أمثال كعب الأحبار و عبد اللّه ابن سلام و تميم الداري و أشباههم. فمن ذلك جاءت البليّة في كتب التفسير و الحديث.( المقدّمة: ٤٣٩- ٤٤٠).