التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥١ - الروح في المصطلح القرآني
فقال لهما الأحبار: سلوه عن ثلاث مسائل: عن الفتية أصحاب الكهف، و عن ذي القرنين، و عن الروح حتّى يظهر لكم صدق نبوّته.
فقدما مكّة و عرضت قريش الأسئلة عليه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. فسألوه عن ذي القرنين، فجاء الوحي: قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً[١].
و هكذا ذكر تعالى قصّة أصحاب الكهف مع شيء من التفصيل[٢].
و أما السؤال عن الروح فجاء في سورة الإسراء، مع الإجمال في الجواب، حيث لا مجال حينذاك و لا مقتضى للتفصيل و البيان، بعد قصور أفهام العرب عن إدراك هكذا مسائل مستعصية.
قال سيّد قطب: و ليس في هذا حجر على العقل البشري أن يعمل. و لكن فيه توجيها لهذا العقل أن يعمل في حدوده و في مجاله الّذي يدركه. فلا جدوى في الخبط في التيه، و من إنفاق الطاقة فيما لا يملك العقل إدراكه، لأنّه لا يملك وسائل إدراكه[٣].
قلت: الجواب واف شاف، و ليس إقناعيّا محضا و تملّصا عن الجواب الصريح- كما زعم- بل الحقيقة هي: أنّ الروح الإنسانيّة هي من سنخ الملكوت الأعلى «هبطت إليك من المكان الأرفع».
فإذ لم يكن باستطاعة مدركات الإنسان أن تدرك ما وراء عالم الحسّ و الشهود، إذ ما لديه من وسائل الإدراك إنّما خصّت بما يسانخها من مدركات، فلا مجال لفهم ما سواها سوى الإذعان بوجودها و أنّها من عالم أعلى و من أمر اللّه. أي شأنه شأن سائر المغيّبات وراء عالم الملكوت.
*** و السورة السادسة- الّتي جاء فيها ذكر الروح- هي سورة الحجر المكيّة[٤]. و آيتها عين آية سورة «ص»[٥]- و كانت ثانية السور في ذلك- و هي قوله تعالى: فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ.
[١] الكهف ١٨: ٨٣.
[٢] الكهف ١٨: ٩- ٢٦. رقم نزولها: ٦٩.
[٣] في ظلال القرآن ٥: ٣٥٧.
[٤] رقم نزولها: ٥٤. رقم ثبتها في المصحف: ١٥. الآية: ٢٩.
[٥] رقم نزولها: ٣٨. رقم ثبتها في المصحف: ٣٨. الآية: ٧٢.