التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٩ - سورة البقرة(٢) الآيات ٥٥ الى ٥٦
آخرهم، و بقي موسى وحيدا، فقال: يا ربّ اخترت سبعين رجلا من بني إسرائيل فجئت بهم و أرجع وحدي، فكيف يصدّقني قومي بما أخبرهم به؟! فلو شئت أهلكتهم من قبل و إيّاي، أ تهلكنا بما فعل السفهاء منّا؟! فأحياهم اللّه من بعد موتهم»[١].
و قال أبو جعفر الطبري: و اذكروا أيضا إذ قلتم يا موسى لن نصدّقك و لن نقرّ بما جئتنا به حتّى نرى اللّه جهرة: عيانا، برفع الساتر بيننا و بينه و كشف الغطاء دوننا و دونه حتّى ننظر إليه بأبصارنا، كما تجهر الركيّة، و ذلك إذا كان ماؤها قد غطّاه الطين، فنفي ما قد غطّاه حتّى يظهر الماء و يصفو، يقال:
منه: قد جهرت الركيّة، أجهرها جهرا و جهرة. و لذلك قيل: قد جهر فلان بهذا الأمر مجاهرة و جهارا، إذا أظهره لرأي العين و أعلنه، كما قال الفرزدق:
|
من اللائي يضلّ الإلف منه |
مسيخا من مخافته جهارا[٢] |
|
[٢/ ١٩٤٥] و روى بالإسناد إلى ابن جريج، قال: قال ابن عبّاس: حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً قال:
علانية.
[٢/ ١٩٤٦] و عن عبد اللّه بن أبي جعفر، عن أبيه عن الربيع: حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً يقول: عيانا.
[٢/ ١٩٤٧] و عن ابن وهب، قال: قال ابن زيد: حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً: حتّى يطلع إلينا.
[٢/ ١٩٤٨] و عن قتادة: حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً: أي عيانا.
فذكّرهم بذلك- جلّ ذكره- اختلاف آبائهم و سوء استقامة أسلافهم لأنبيائهم، مع كثرة معاينتهم من آيات اللّه- جلّ و عزّ- و عبره ما تثلج بأقلّها الصدور[٣]، و تطمئنّ بالتصديق معها النفوس؛ و ذلك مع تتابع الحجج عليهم، و سبوغ النعم من اللّه لديهم. و هم مع ذلك مرّة يسألون نبيّهم أن يجعل لهم إلها غير اللّه، و مرّة يعبدون العجل من دون اللّه، و مرّة يقولون: لا نصدّقك حتّى نرى اللّه جهرة، و أخرى يقولون له إذا دعوا إلى القتال: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ[٤] و مرّة
[١] عيون أخبار الرضا ١: ١٤٤/ ١، باب ١٢؛ التوحيد: ٤٢٤/ ١، باب ٦٥؛ البحار ١٠: ٣٠٥/ ١، باب ١٩.
[٢] المسيخ: الممسوخ، المشوّه الخلق. و من الطعام: ما لا طعم له. الأحمق ... يعني: الأليف يضلّ منه حائرا مشوّش البال علانية.
[٣] يريد ما تثق به و تسكن إليه.
[٤] المائدة ٥: ٢٤.