التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٨ - سورة البقرة(٢) الآيات ٦٧ الى ٧٣
قال: فدخل الفتى إلى أمّه يخبرها الخبر، فقالت: يا بنيّ إنّي أراك تحتطب على ظهرك الليل و النهار فتشخص[١]، فاذهب بهذه البقرة فبعها و خذ ثمنها فتقوّ به و ودّع به نفسك[٢]. قال الفتى: بكم أبيعها؟ قالت: بثلاثة دنانير على رضا منّي. فانطلق الفتى إلى السوق فبعث اللّه إليه ملكا من الملائكة ليري خلقه قدرته، فقال للفتى: بكم تبيع هذه البقرة أيّها الفتى؟ فقال: أبيعها بثلاثة دنانير على رضا من والدتي. قال: لك ستّة دنانير و لا تستأمر والدتك! فقال: لو أعطيتني زنتها لم أبعها حتّى أستأمرها، فخرج الفتى فأخبر والدته الخبر، فقالت: بعها بستّة دنانير على رضا منّي. فانطلق الفتى و أتاه الملك فقال: ما فعلت؟ فقال: أبيعها بستّة دنانير على رضا من والدتي. قال: فخذ اثني عشر دينارا و لا تستأمرها. قال: لا.
فانطلق الفتى إلى أمّه فقالت: يا بنيّ إنّ الذي يأتيك ملك من الملائكة في صورة آدمي، فإذا أتاك فقل له: إنّ والدتي تقرأ عليك السّلام، و تقول: بكم تأمرني أن أبيع هذه البقرة؟ فأتاه فقال له مقالة أمّه. فقال له الملك: يا أيّها الفتى يشتري بقرتك هذه موسى بن عمران لقتيل يقتل من بني إسرائيل، و له مال كثير و لم يترك أبوه ولدا غيره، و له أخ له بنون كثيرون، فيقولون كيف لنا أن نقتل هذا الغلام و نأخذ ماله، فدعوا الغلام إلى منزلهم فقتلوه فطرحوه إلى جانب دارهم، فأصبح أهل الدار فأخرجوا الغلام إلى باب الدار، و جاء بنو عمّ الغلام فأخذوا أهل الدار، فانطلقوا بهم إلى موسى، فلم يدر موسى كيف يحكم بينهم من أجل أنّ أهل الدار برآء من الغلام ...! فشقّ ذلك على موسى فدعا ربّه، فأوحى اللّه إليه: أن خذ بقرة صفراء فاقعا لونها فاذبحها، ثمّ اضرب الغلام ببعضها.
فعمدوا إلى بقرة الفتى فاشتروها على أن يملئوا جلدها دنانير، ثمّ ذبحوها ثمّ ضربوا الغلام ببعضها، فقام يخبرهم فقال: إنّ بني عمّي قتلوني و أهل الدار منّي برآء، فأخذهم موسى فقالوا: يا موسى أ تتّخذنا هزوا قد قتل ابن عمّنا مظلوما، و قد علموا أن سيفضحوا، فعمدوا إلى جلد البقرة فملئوه دنانير ثمّ دفعوه إلى الفتى، فعمد الفتى فتصدّق بالثلثين على فقراء بني إسرائيل و تقوّى بالثلث و كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ[٣].
[١] أي فتتعب.
[٢] أي رفّه على نفسك.
[٣] الدرّ ١: ١٩٤- ١٩٧.