التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٧ - سورة البقرة(٢) الآيات ٦٧ الى ٧٣
البقر اشتقت إلى أهلي، فأخذت ثورا من ثيراني فحملت عليه طعامي و زادي، حتّى إذا بلغت شطر الطريق أخذني وجع بطني، فذهبت لأقضي حاجتي فعدا وسط الجبل و تركني و أنا أطلبه و لست أقدر عليه، فأنا أخشى على نفسي الهلاك و ليس معي زاد و لا ماء، فإن رأيت أن تحملني على بقرتك فتبلغني مراعى و تنجيني من الموت و أعطيك أجرها بقرتين.
قال الفتى: إنّ بني آدم ليس بالذي يقتلهم اليقين و تهلكهم أنفسهم، فلو علم اللّه منك اليقين لبلغك بغير زاد و لا ماء، و لست براكب أمرا لم أؤمر به، إنّما أنا عبد مأمور و لو علم سيّدي أنّي أعصيه في هذه البقرة لأهلكني و عاقبني عقوبة شديدة، و ما أنا بمؤثر هواك على هوى سيّدي، فانطلق يا أيّها الرجل بسلام! فقال له إبليس: أعطيك بكلّ خطوة تخطوها إلى منزلي درهما فذلك مال عظيم و تفدي نفسي من الموت في هذه البقرة. قال الفتى: إنّ سيدي له ذهب الأرض و فضّتها، فإن أعطيتني شيئا منها علم أنّه من ماله، و لكن أعطني من ذهب السماء و فضّتها، فأقول إنّه ليس هذا من مالك؛ فقال إبليس: و هل في السماء ذهب أو فضّة، أو هل يقدر أحد على هذا؟ قال الفتى: أو هل يستطيع العبد بما لم يأمر به سيّده كما لا تستطيع أنت ذهب السماء و فضّلتها.
قال له إبليس: أراك أعجز العبيد في أمرك. قال له الفتى: إنّ العاجز من عصى ربّه. قال له إبليس: ما لي لا أرى معك زادا و لا ماء؟ قال الفتى: زادي التقوى، و طعامي الحشيش، و شرابي من عيون الجبال، قال إبليس: أ لا آمرك بأمر يرشدك؟ قال الفتى: مر به نفسك فإنّي على رشاد إن شاء اللّه. قال له إبليس: ما أراك تقبل نصيحة! قال له الفتى: الناصح لنفسه من أطاع سيّده و أدّى الحقّ الذي عليه، فإن كنت شيطانا فأعوذ باللّه منك، و إن كنت آدميّا فاخرج فلا حاجة لي في صحابتك.
فجمد إبليس عند ذلك ثلاث ساعات مكانه، و لو ركبها له إبليس ما كان الفتى يقدر عليها و لكنّ اللّه حبسه عنها.
فبينما الفتى يمشي إذ طار طائر من بين يديه فاختلس البقرة، و دعاها الفتى و قال: بإله إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب إلّا ما آتيتني، فأتت البقرة إليه و قامت بين يديه، فقالت: يا أيّها الفتى أ لم تر إلى ذلك الطائر الذي طار من بين يديك؟ فإنّه إبليس عدوّ اللّه اختلسني، فلمّا ناديتني بإله إسرائيل جاء ملك من الملائكة فانتزعني منه فردّني إليك لبرّك بوالدتك و طاعتك إلهك، فانطلق فلست ببارحتك حتّى تأتي أهلك إن شاء اللّه.