التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٧ - كلام في تأويل الحطة
مهدمة[١] و معي صنوي[٢] إذا أنا بهاتف صيّت يصرخ بصوت صحل[٣] يقول: يا معشر قريش إنّ هذا النبيّ المبعوث منكم، هذا إبّان نجومه[٤] فحيّهلا بالحيا و الخصب[٥]، ألا فانظروا منكم رجلا طوالا عظاما أبيض فظّا، أشمّ العرنين، له فخر يكظم عليه. ألا فليخلص هو و ولده، و ليدلف إليه من كلّ بطن رجل. ألا فليشنّوا من الماء[٦]، و ليمسّوا من الطيب، و ليطوّفوا بالبيت سبعا .. ألا و فيهم الطيّب الطاهر لذاته. ألا فليدع الرجل و ليؤمّن القوم. ألا فغثتم أبدا ما عشتم[٧].
قالت: فأصبحت مذعورة قد قفّ جلدي[٨] و و له عقلي، فاقتصصت رؤياي، فوا لحرمة و الحرم، إن بقي أبطحيّ إلّا قال: هذا شيبة الحمد[٩].
و تتامّت عنده قريش[١٠] و انفضّ إليه الناس من كلّ بطن رجل، فشنّوا و مشوا و استلموا و اطّوّفوا، ثمّ ارتقوا أبا قبيس ... حتّى قرّوا بذروة الجبل، و استكفّوا جنابيه[١١].
فقام عبد المطّلب فاعتضد[١٢] ابن ابنه محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فرفعه على عاتقه، و هو يومئذ غلام قد أيفع أو قد كرب[١٣]. ثمّ قال:
«اللّهم سادّ الخلّة و كاشف الكربة، أنت عالم غير معلّم و مسئول غير مبخّل[١٤]. و هذه
[١] أي خائرة القوى منهارة الأشلاء.
[٢] الصّنو: الأخ الشقيق.
[٣] يقال: صحل صوته صحلا: غلظ و خشن فهو صحل.
[٤] أي هذا أوان ظهوره.
[٥] أي هلمّوا و أقبلوا بالحيا و هو ريع الزرع بوفور المطر. و الخصب: كثرة العشب و الخير.
[٦] أي يصبّوا عليهم الماء، يراد به غسل الوجه و الأكفّ أو الاغتسال.
[٧] غثتم: أي عمّكم الغيث. يقال: غاث اللّه البلاد: أنزل بها الغيث. غاث الغيث الأرض: نزل بها، فغيثت الأرض و هي مغيثة.
[٨] أي يبس و تعضّن، و هو تثنّي الجلد و تشنّجه.
[٩] لقب فخيم كان يلقّب به عبد المطّلب، لأنّه تشيّب محمودا في قومه.
[١٠] يقال: تتامّ القوم أي جاءوا كلّهم و انفضّ إليه الناس، أي أتوه متفرّقين من كلّ بطن رجل.
[١١] أي أحاطوا بجوانبه. و الجنابان: الناحيتان.
[١٢] اعتضده: احتضنه.
[١٣] يفع الغلام: ترعرع و ناهز البلوغ. قوله: أو كرب أي أو قرب من اليفعة.
[١٤] أي غير منسوب إلى البخل.