التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٥ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٠٢ الى ١٠٥
و ماروت، من أنواع العلوم الغريبة و منها السحر و الشعوذة. قيل: كانا رجلين صالحين من كبار رجال العلم في تلك البلاد، شبّها بالملائكة لمكان ترفّعهما عن رذائل الحياة و لتوفّر ما لديهما من العلوم و المعارف. و قرئ بكسر اللام، تشبيها بذوي السلطة و الاقتدار في الهيمنة و الوقار.
لكنّها معاذير فارغة، و أنّ الملكين كانا موضع فتنة و اختبار للناس، فليقتبسوا من علومهم النافع منها دون الضارّ و هكذا كانا يذكّران الناس: أنّ في علومهم ما ينتفعون به و ما هو ضارّ لمن لم يكن من أهله فليحذر الّذين في قلوبهم زيغ أن يستخدموا العلم في سبيل الإفساد في الأرض فذلك كفر باللّه العظيم، و كفران لنعمه الجسام.
و لكن هناك من غلبته الرغبة إلى الشرّ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ من دسائس و مكائد خدّاعة.
و هنا يبادر القرآن فيقرّر كلّيّة التصوّر الإسلامى الأساسيّة، و هي: إنّه لا يقع شيء في هذا الوجود إلّا بإذن اللّه «لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه».
فبإذن اللّه تفعل الأسباب فعلها و تنشئ آثارها و تحقّق نتائجها.
و هذه قاعدة كلّيّة في التصوّر الإسلامي، لا بدّ من وضوحها في ضمير المؤمن تماما.
قال سيد قطب: و أقرب ما يمثّل هذه القاعدة في مثل هذا المقام، أنّك إذا عرضت يدك للنّار فإنّها تحترق. و لكن هذا الاحتراق لا يكون إلّا بإذن اللّه. فاللّه هو الذي أودع النار خاصّيّة الحرق، و أودع يدك خاصّيّة الاحتراق بها، و هو قادر على أن يوقف هذه الخاصّيّة حين لا يأذن، لحكمة خاصّة يريدها، كما وقع لإبراهيم عليه السّلام.
و كذلك هذا السحر الذي يفرّقون به بين المرء و زوجه، ينشئ هذا الأثر بإذن اللّه، و هو قادر على أن يوقف هذه الخاصّيّة فيه، حين لا يأذن لحكمة خاصّة يريدها و هكذا بقيّة ما نتعارف عليه بأنّها مؤثّرات و آثار. كلّ مؤثّر مودع خاصّيّة التأثير بإذن اللّه، فهو يعمل بهذا الإذن، و يمكن أن يوقف مفعوله كما أعطاه هذا المفعول حين يشاء.[١]
[١] في ظلال القرآن ١: ١٢٩- ١٣٠.