التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠٤ - ٣ - نسخ الحكم دون التلاوة
و النسخ و الإنساء ظاهرتان دينيّتان، تخصّان عهد الوحي الممكن تبديل المنسوخ أو المنسي بمثله أو بأتمّ، أمّا و بعد انقطاع الوحي بوفاة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلا نسخ و لا إنساء البتّة، صرّح بذلك عامّة أهل الاصول.
الأمر الذي يجعل من القول بضياع شيء من القرآن أو إسقاطه بعد انقضاء عهد الرسالة قولا بالتحريف الباطل لا محالة، و من ثمّ نتحاشاه قطعيّا لا ترديد!
٣- نسخ الحكم دون التلاوة
بأن تبقى الآية ثابتة في المصحف يقرؤها المسلمون عبر العصور، سوى أنّها من ناحية مفادها التشريعيّ منسوخة، لا يعمل بها بعد مجيء الناسخ القاطع لحكمها.
و هذا النوع من النسخ هو المعروف بين المفسّرين و هكذا الفقهاء ليدعوا الأخذ بهكذا آيات حسبوها منسوخة الحكم.
الأمر الذي نستنكره جدّا- كما استنكرنا النوعين الأوّلين- نظرا لاستلزامه اللغويّة في ثبت و إبقاء هكذا آيات قد بطلت رسالتها و لم يعد لوجودها أثر و لا فائدة عائدة على المسلمين!!
هذا فضلا عن استلزامه وجود اختلاف بيّن بين آي الذكر الحكيم .. إذ لا يكون نسخ إذا لم يكن تهافت بائن بين الناسخ و المنسوخ و قد قال تعالى: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً.[١]
و النسخ، لا يعرف إلّا عن طريق التهافت و الاختلاف بين آيتين، لتكون اللاحقة نزولا، ناسخة للسابقة، هكذا فرضوا و هكذا حسبوا!!
و لكن هل هناك بين آيات زعموهنّ منسوخات، و آيات حسبوهنّ ناسخات، تهافت و تباين؟
حاشا و كلّا!
مثلا، حسبوا من آية الإمتاع إلى الحول للمتوفّى عنها زوجها، أنّها منسوخة، نسختها آيات العدد و المواريث قال تعالى: وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.[٢]
[١] النساء ٤: ٨٢.
[٢] البقرة ٢: ٢٤٠.