التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٦ - سورة البقرة(٢) آية ٥٧
و عنى- جلّ ذكره- بقوله: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ كلوا من مشتهيات رزقنا الذي رزقناكموه. و قيل عنى بقوله: مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ من حلاله الذي أبحناه لكم، فجعلناه لكم رزقا.
و الأوّل من القولين أولى بالتأويل لأنّه وصف ما كان القوم فيه من هنيء العيش الذي أعطاهم، فوصف ذلك بالطيب الذي هو بمعنى اللذّة أحرى من وصفه بأنّه حلال مباح.
و «ما» التي مع «رزقناكم» بمعنى «الذي» كأنّه قيل: كلوا من طيّبات الرزق الذي رزقناكموه.
*** و قال في تأويل قوله تعالى: وَ ما ظَلَمُونا وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ:
و هذا أيضا من الذي استغني بدلالة ظاهره على ما ترك منه. و ذلك أنّ معنى الكلام: كلوا من طيّبات ما رزقناكم، فخالفوا ما أمرناهم به، و عصوا ربّهم ثمّ رسولنا إليهم، و ما ظلمونا. فاكتفى بما ظهر عمّا ترك. و قوله: وَ ما ظَلَمُونا يقول: و ما ظلمونا بفعلهم ذلك و معصيتهم، وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ. و يعني بقوله: وَ ما ظَلَمُونا: و ما وضعوا فعلهم ذلك و عصيانهم إيّانا موضع مضرّة علينا و منقصة لنا، و لكنّهم وضعوه من أنفسهم موضع مضرّة عليها و منقصة لها. كما:
[٢/ ٢٠٢٩] روى أبو روق، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس: وَ ما ظَلَمُونا وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ قال: يضرّون.
و قد دلّلنا فيما مضى على أنّ أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه بما فيه الكفاية، فأغنى ذلك عن إعادته. و كذلك ربّنا- جلّ ذكره- لا تضرّه معصية عاص، و لا يتحيّف خزائنه ظلم ظالم، و لا تنفعه طاعة مطيع، و لا يزيد في ملكه عدل عادل؛ بل نفسه يظلم الظالم، و حظّها يبخس العاصي، و إيّاها ينفع المطيع، و حظّها يصيب العادل[١].
*** و هكذا روى ابن أبي حاتم قريبا ممّا رواه ابن جرير:
قال في قوله تعالى: وَ ظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ:
[٢/ ٢٠٣٠] روى القاسم بن أبي أيّوب عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: ثمّ ظلّل عليهم في
[١] الطبري ١: ٤٢٥- ٤٢٦.