التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٣ - سورة البقرة(٢) الآيات ٥٨ الى ٥٩
قال أبو جعفر، و اختلف أهل العربيّة في المعنى الذي من أجله رفعت الحطّة، فقال بعض نحويّي البصرة: رفعت الحطّة بمعنى قولوا ليكن منكم حطّة لذنوبنا، كما تقول للرجل: سمعك.
و قال آخرون منهم: هي كلمة أمرهم اللّه أن يقولوها مرفوعة، و فرض عليهم قيلها كذلك.
و قال بعض نحويّي الكوفيين: رفعت الحطّة بضمير «هذه»، كأنّه قال: و قولوا هذه حطّة.
و قال آخرون منهم: هي مرفوعة بضمير معناه الخبر، كأنّه قال: قولوا ما هو حطّة، فتكون حطّة حينئذ خبرا ل «ما».
و الذي هو أقرب عندي في ذلك إلى الصواب و أشبه بظاهر الكتاب، أن يكون رفع حطّة بنيّة خبر محذوف[١] قد دلّ عليه ظاهر التلاوة، و هو: دخولنا الباب سجّدا حطّة، فكفى من تكريره بهذا اللفظ ما دلّ عليه الظاهر من التنزيل، و هو قوله: وَ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً كما قال- جلّ ثناؤه-: وَ إِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ[٢] يعني موعظتنا إيّاهم معذرة إلى ربّكم. فكذلك عندي تأويل قوله: وَ قُولُوا حِطَّةٌ يعني بذلك: وَ إِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ ... وَ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَ قُولُوا دخولنا ذلك سجّدا حِطَّةٌ لذنوبنا، و هذا القول على نحو تأويل الربيع بن أنس و ابن جريج و ابن زيد الذي ذكرناه آنفا.
و أمّا على تأويل قول عكرمة، فإنّ الواجب أن تكون القراءة بالنصب في «حطّة» لأنّ القوم إن كانوا أمروا أن يقولوا: لا إله إلّا اللّه، أو أن يقولوا: نستغفر اللّه، فقد قيل لهم: قولوا هذا القول، ف «قولوا» واقع حينئذ على الحطّة، لأنّ الحطّة على قول عكرمة هي قول لا إله إلّا اللّه، و إذ كانت هي قول لا إله إلّا اللّه، فالقول عليها واقع، كما لو أمر رجل رجلا بقول الخير، فقال له: «قل خيرا» نصبا، و لم يكن صوابا أن يقول له: «قل خير» إلّا على استكراه شديد.
و في إجماع القرّاء على رفع «حطّة» بيان واضح على خلاف الذي قاله عكرمة من التأويل في
[١] أي خبرا عن مبتدإ محذوف.
[٢] الأعراف ٧: ١٦٤. و قراءتنا في مصاحفنا« مَعْذِرَةً» بالنصب. و أراد الطبري هنا« معذرة» بالرفع. و قد قال في تفسير الآية ١٦٤ من سورة الأعراف: قرأ ذلك عامّة قرّاء الحجاز و الكوفة و البصرة« معذرة» بالرفع و قرأ ذلك بعض أهل الكوفة« مَعْذِرَةً» نصبا.