التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٢ - سورة البقرة(٢) الآيات ٦٥ الى ٦٦
صادوها علانية و باعوها بالأسواق، و قالت طائفة منهم من أهل البقية[١]: ويحكم اتّقوا اللّه! و نهوهم عمّا كانوا يصنعون. و قالت طائفة أخرى لم تأكل الحيتان و لم تنه القوم عمّا صنعوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ لسخطنا أعمالهم وَ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ[٢].
قال ابن عبّاس: فبينما هم على ذلك أصبحت تلك البقية في أنديتهم و مساجدهم، و فقدوا الناس فلا يرونهم، فقال بعضهم لبعض: إنّ للناس لشأنا فانظروا ما هو! فذهبوا ينظرون في دورهم، فوجدوها مغلقة عليهم، قد دخلوا ليلا فغلقوها على أنفسهم كما تغلق الناس على أنفسهم، فأصبحوا فيها قردة، إنّهم ليعرفون الرجل بعينه و إنّه لقرد، و المرأة بعينها و إنّها لقردة، و الصبي بعينه و إنّه لقرد.
قال ابن عبّاس: فلو لا ما ذكر اللّه أنّه أنجى الّذين نهوا عن السوء لقلنا أهلك الجميع منهم. قالوا:
و هي القرية التي قال اللّه لمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: وَ سْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ[٣] الآية.
[٢/ ٢٣٢٢] و عن قتادة في قوله: وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ قال: أحلّت لهم الحيتان و حرّمت عليهم يوم السبت بلاء من اللّه ليعلم من يطيعه ممّن يعصيه. فصار القوم ثلاثة أصناف: فأمّا صنف فأمسك و نهى عن المعصية، و أمّا صنف فأمسك عن حرمة اللّه، و أمّا صنف فانتهك حرمة اللّه و مرد على المعصية،[٤] فلمّا أبوا إلّا الاعتداء إلى ما نهوا عنه، قال اللّه لهم: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ فصاروا قردة لها أذناب، تعاوى، بعد ما كانوا رجالا و نساء.
[٢/ ٢٣٢٣] و روى عبد الرزّاق، عن معمر، عن قتادة في قوله: وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ قال: نهوا عن صيد الحيتان يوم السبت، فكانت تشرّع إليهم يوم السبت، و بلوا بذلك فاعتدوا فاصطادوها، فجعلهم اللّه قردة خاسئين.
[٢/ ٢٣٢٤] و روى أسباط، عن السدّي: وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ قال: فهم أهل أيلة، و هي القرية التي كانت حاضرة البحر. فكانت الحيتان إذا كان يوم السبت- و قد حرّم اللّه على اليهود أن يعملوا في السبت شيئا- لم يبق في البحر حوت إلّا خرج حتّى
[١] أهل البقية: أهل التمييز و الفهم.
[٢] الأعراف ٧: ١٦٤.
[٣] الأعراف ٧: ١٦٣.
[٤] مرد: طغا و جاوز حدّه.