التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨١ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٠٦ الى ١٠٧
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٦ الى ١٠٧]
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ (١٠٧)
هذا ردّ على شبهة ألقتها اليهود، حينما واجهوا تغييرات في أحكام و شرائع، كانت في شرائع سابقة، فنسختها شريعة الإسلام و من جملة ما شمله النسخ، شريعة الاتّجاه إلى بيت المقدس في عبادة الصلاة، فتحوّلت إلى الكعبة المشرّفة. الأمر الذي أثار عجاجهم و سلبهم موضع الاعتبار بقبلتهم بالذات. زعموا أنّ الشرع السابق إن كان حقّا، فيجب الثبات عليه أبدا و لو كان الشرع اللاحق حقّا، فكيف العكوف على غيره سابقا؟!
و الجواب: أنّ كلا الأمرين حقّ، غير أنّ السابق كان حقّا في ظرفه، و اللاحق أيضا حقّ في ظرفه. و هذا نظير تبدّل و صفات الطبيب مع تغيير حالات المريض، فالوصفة السابقة لا تفيده في حالة أخرى لاحقة، و إن كانت حقّا في ظرفها الخاصّ فلا تنافي أن يكون كلاهما حقّا، كلّ في ظرفه و في ظلّ شرائطه الخاصّة.
و سواء أ كانت المناسبة هي مناسبة تحويل القبلة- كما يدلّ عليه السياق- أم كانت مناسبة أخرى من تعديل بعض التشريعات و التكاليف، التي كانت تتابع نموّ الجماعة المسلمة، و أحوالها المتطوّرة أم كانت خاصّة بتعديل بعض الأحكام التي وردت في شريعة التوراة سواء أ كانت المناسبة إحدى هذه أو جميعها، فإنّ اليهود اتّخذتها ذريعة للتشكيك في صلب العقيدة و قد ردّ عليها القرآن في بيان حاسم بشأن النسخ و التعديل، و القضاء على تلك الشبهات التي أثارتها اليهود ...
فالتعديل الجزئي وفق مقتضيات الأحوال- في فترة الرسالة- هو لصالح البشريّة، و لتحقيق خير أكبر تقتضيه أطوار حياتها و اللّه خالقهم و هو أعرف بصالحهم.
فإذا نسخ آية- شريعة. إذ كلّ شرعة آية- أو أنساها- ذهبت عن الأذهان لتقادم عهدها- فإنّه تعالى- لمقام حكمته و لطفه بعباده- يأتي بأفضل منها إذا ما لو حظا معا بالنسبة إلى شرائط حاضرة،