التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٠ - سورة البقرة(٢) آية ٧٤
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): آية ٧٤]
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَ إِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَ إِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)
و هذه الآية جاءت تعقيبا على قصّة البقرة، و التي كانت بحيث من شأنها أن تستجيش في قلوب بني إسرائيل الحسّاسيّة و الخشية و التقوى؛ و كذلك جاءت تعقيبا على ما سلف من المشاهد و الأحداث و العبر و العظات، تجيء هذه الخاتمة لتبرهن العكس لكلّ ما كان يتوقّع و يترقّب وفقا لطبيعة إسرائيل المنتكسة.
نعم بدلا من أن تلين قلوبهم، قست و أصبحت كالحجارة و هي صخرة صلدة غير أنّ قلوبهم أجدب و أقسى فإنّ من الحجارة لما يتفجّر منه الأنهار، المنهملة من عيون تتفجّر من خلال صخور الجبال. و منها ما تتشقّق أو تهبط من خشية اللّه، انصياعا لنظام الكون و لكن قلوبهم لا تنصدع و لا تتخشّع و لا تلين لذكر اللّه مهما كثر التذكار و تتابعت العبر و العظات و من ثمّ هذا التهديد: وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.
و بهذا يختم هذا الشوط من الجولة مع بني إسرائيل في تأريخهم الحافل بالكفر و الجحود، و الالتواء و اللجاجة، و الكيد و القسوة، و التمرّد و الفسوق.
*** [٢/ ٢٤٢١] روي عن الإمام أبي محمّد العسكري عليه السّلام قال- في قوله: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ-:
«عست[١] و جفّت و يبست قلوبهم من الخير و الرحمة، مِنْ بَعْدِ ذلِكَ من بعد ما تبيّنت الآيات الباهرات. فَهِيَ كَالْحِجارَةِ اليابسة لا ترشّح برطوبة، و لا ينتفض[٢] منها ما ينتفع به فلا يؤدّون حقّا
[١] يقال: عسى النبات: غلظ و صلب. و عست يده: غلظت من العمل. و الليل: اشتدّت ظلمته.
[٢] يقال: نفض الزرع: خرج آخر سنبله. و نفض الكرم: تفتّحت عنا قيده.