التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٠ - سورة البقرة(٢) الآيات ٥٨ الى ٥٩
المرفوع في الصحيحين و غيرهما. قال: و لم يصرّح أبو هريرة بسماع هذا من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيحتمل أنّه سمعه من كعب الأحبار، إذ ثبت أنّه روي عنه. قال السيّد: و هذا مدرك عدم اعتماد الأستاذ رحمه اللّه على مثل هذا من الإسرائيليّات و إن صحّ سنده[١].
و فسّر أبو مسلم التبديل هنا بمجرّد المخالفة و ترك ما أمروا به، لا أنّهم بدّلوه بقول آخر.
قال: قوله تعالى: فَبَدَّلَ يدلّ على أنّهم لم يفعلوا ما أمروا به، لا على أنّهم أتوا له ببدل .. قال:
و الدليل عليه، أنّ تبديل القول قد يستعمل في المخالفة [محضا]، كما في قوله تعالى: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ ...[٢]، و لم يكن تبديلهم إلّا الخلاف في الفعل لا في القول، فكذا هنا فيكون المعنى: أنّهم لمّا أمروا بالتواضع و سؤال المغفرة لم يمتثلوا أمر اللّه[٣].
و هذا القول رجّحه المراغى و القاسمي و غيرهما من مفسّرين معاصرين[٤].
لكن هذا ينافي ظاهر قوله تعالى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ[٥].
*** و قال ابن عاشور: و كان المخاطبون العرب و اليهود يعلمون تفاصيل القصّة، و من ثمّ جاءت الآية مختصرا فيها الكلام، الأمر الذي جعل المفسّرين حيارى فسلكوا طرائق لانتزاع تفصيل المعنى، و لم يأتوا بشيء مقنع، و فيها بعض التضارب و المخالفات.
قال: و الذي عندي أنّ الآية أشارت إلى قصّة معروفة تضمّنتها كتبهم[٦] و هي أنّ بني إسرائيل لمّا طوّحت بهم الرحلة إلى برّيّة «فاران»[٧] نزلوا بمدينة «قادش»[٨] فأصبحوا على حدود أرض
[١] تفسير المنار ٩: ٣٧٣.
[٢] الفتح ٤٨: ١٥.
[٣] التفسير الكبير ٣: ٩١. و تفسير أبي مسلم- إخراج الغياثي-: ٩٤.
[٤] راجع: تفسير المراغي ١: ١٢٤. و القاسمي ١: ٢٩٦.
[٥] البقرة ٢: ٥٩. و الأعراف ٧: ١٦٢.
[٦] راجع: سفر الخروج: ١٦. و سفر التثنية: ١- ٢. و سفر الأعداد: ١٣- ١٤.
[٧] برّيّة فاران: صحراء وسيعة واقعة في سفح جبل بهذا الاسم، بمعنى: ذات مغارات، كانت متاه بني إسرائيل، بين وادي سيناء جنوبا، و أرض كنعان شمالا، و خليج العقبة شرقا، و صحراء الشام غربا.
[٨] قاديشا، يعني الوادي المقدّس، واد في لبنان الشمالي. دعي كذلك لكثرة النسّاك و الرهبان الّذين أقاموا فيه منصرفين إلى العبادة في مغارة. كان ملجأ للموارنة في أيّام الشدّة.