التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥١ - سورة البقرة(٢) الآيات ٦٥ الى ٦٦
يوم السبت صارت صيدا كسائر الأيّام، فهو قوله: وَ يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ[١]. ففعلت الحيتان ذلك ما شاء اللّه؛ فلمّا رأوها كذلك طمعوا في أخذها و خافوا العقوبة، فتناول بعضهم منها فلم تمتنع عليه، و حذر العقوبة التي حذّرهم موسى من اللّه تعالى. فلمّا رأوا أنّ العقوبة لا تحلّ بهم عادوا و أخبر بعضهم بعضا بأنّهم قد أخذوا السمك و لم يصبهم شيء، فكثروا في ذلك و ظنّوا أنّ ما قال لهم موسى كان باطلا، و هو قول اللّه جلّ ثناؤه: وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ يقول لهؤلاء الّذين صادوا السمك، فمسخهم اللّه قردة بمعصيتهم، يقول: إذا لم يحيوا في الأرض إلّا ثلاثة أيّام، و لم تأكل، و لم تشرب، و لم تنسل، و قد خلق اللّه القردة و الخنازير و سائر الخلق في الستّة الأيّام التي ذكر اللّه في كتابه، فمسخ هؤلاء القوم في صورة القردة، و كذلك يفعل بمن شاء كما يشاء، و يحوّله كما يشاء.
[٢/ ٢٣٢١] و روى ابن حميد بالإسناد إلى ابن عبّاس، قال: إنّ اللّه إنّما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم يوم الجمعة، فخالفوا إلى السبت فعظّموه و تركوا ما أمروا به، فلمّا أبوا إلّا لزوم السبت ابتلاهم اللّه فيه، فحرّم عليهم ما أحلّ لهم في غيره. و كانوا في قرية بين أيلة و الطور يقال لها «مدين»، فحرّم اللّه عليهم في السبت الحيتان صيدها و أكلها، و كانوا إذا كان يوم السبت أقبلت إليهم شرّعا إلى ساحل بحرهم، حتّى إذا ذهب السبت ذهبن، فلم يروا حوتا صغيرا و لا كبيرا. حتّى إذا كان يوم السبت أتين إليهم شرّعا، حتّى إذا ذهب السبت ذهبن. فكانوا كذلك، حتّى إذا طال عليهم الأمد و قرموا[٢] إلى الحيتان، عمد رجل منه فأخذ حوتا سرّا يوم السبت فخزمه بخيط[٣]، ثمّ أرسله في الماء، و أوتد له وتدا في الساحل، فأوثقه ثمّ تركه. حتّى إذا كان الغد جاء فأخذه؛ أي إنّي لم آخذه في يوم السبت! ثمّ انطلق به فأكله. حتّى إذا كان يوم السبت الآخر عاد لمثل ذلك. و وجد الناس ريح الحيتان. فقال أهل القرية: و اللّه لقد وجدنا ريح الحيتان. ثمّ عثروا على ما صنع ذلك الرجل[٤]. قال: ففعلوا كما فعل، و أكلوا سرّا زمانا طويلا لم يعجل اللّه عليهم بعقوبة حتّى
[١] الأعراف ٧: ١٦٣.
[٢] القرم: شدة الشهوة إلى اللحم.
[٣] خزمه: شكّه و ثقبه.
[٤] عثروا عليه: أطلعوا عليه.