التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٢ - سورة البقرة(٢) الآيات ٥٨ الى ٥٩
قوله: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ يبدو أنّها إشارة إلى ما أشاعته الجواسيس العشرة من مذمّة الأرض و صعوبتها و قوّة رجالها و ما شابه ذلك ممّا يدلّ على وهن عزيمتهم للقيام و المقابلة و أنّهم لم يقولوا كما قال لهم موسى و لم ينتهضوا كما استنهضهم موسى و رجلان معه يوشع و كالب.
و لعلّ التعبير بكلمة «هذه» المفيدة للقرب ما يرجّح أنّ القرية هي «حبرون» الّتي تطلّع عليها جواسيسهم. و القرية: مجتمع المساكن المبنيّة العامرة، من القري و هو الجمع، و تطلق على البلدة الصغيرة و على المدينة الكبيرة ذات الأسوار و الأبواب، كما أريد هنا.
و قوله: وَ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً مراد به باب القرية المعهودة. و معنى السجود عند الدخول:
الانحناء شكرا للّه تعالى أن فضّلهم بهذه النعم .. لا لأنّ بابها قصير كما قيل، إذ لا جدوى له .. كما لم يعهد أن يجعل للمدينة باب قصير.
قال ابن عاشور: و لعلّ الأمر بالانحناء عند الدخول، إيهام لإظهار العجز و الضعف فلا يفطن لهم أهل القرية و لا يهابونهم، و هذا من أحوال الجوسسة و لم تتعرّض لها التوراة. قال: و يبعد أن يكون السجود المأمور به سجود الشكر، لأنّهم داخلون متجسّسين لا فاتحين.
و قوله: وَ قُولُوا حِطَّةٌ. و لعلّ هذا القول كان معروفا ذلك العهد للدلالة على العجز، أو هو من أقوال السّؤّال و الشحّاذين كي لا يحسب لهم حساب فلا يتحذّر منهم أهل القرية.
و قوله: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ أي بدّل العشرة القول الذي أمر موسى بإعلانه في القوم و هو الترغيب في دخول القرية و تهوين العدوّ عليهم، فقالوا- بدلا من ذلك-: لا تستطيعون مقابلتهم فثبّطوهم. و لذلك عوقبوا فأنزل عليهم رجز من السماء- أي بتقدير من السماء- و هو بلاء الطاعون. و قد خصّ بالمثبّطين.
و إنّما جاء بالظاهر في موضع المضمر في قوله: فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً و لم يقل:
«عليهم» لئلّا يتوهّم أنّ الرجز عمّ الجميع. و بذلك تنطبق الآية على ما ذكرته التوراة تمام الانطباق[١].
[١] جاء في سفر الأعداد: ١٤/ ٣٦ و ٣٧ و ٣٨:« أمّا الرجال الاثنا عشر الّذين أرسلهم موسى للتجسّس فرجعوا و ثبّطوا القوم فأخذهم اللّه بالوباء، سوى يشوع بن نون و كالب بن يفنّة فعاشا. و كان لهما التوفيق بدخول المدينة بعد أربعين عاما.