التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٣ - سورة البقرة(٢) الآيات ٧٥ الى ٧٧
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ٧٥ الى ٧٧]
أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَ قَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَ وَ لا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ (٧٧)
و هذا استعراض آخر لمواقف بني إسرائيل الشنيئة، جاءت حاضرة العالم الإسلامي في بدء نشوئه و تشكّله في مدينة الرسول و إذا هي امتداد لمواقفهم الأولى مع أنبيائهم حذو النعل بالنعل، ملؤها القسوة و الجفاء و التعنّت و اللجاج.
و الخطاب في هذه الآيات إلى الجماعة المسلمة ليأخذوا حذرهم من هؤلاء الّذين مرنوا على المكر و الخداع، بشتّى وسائلهم و أساليبهم في إيقاع الفتنة و بثّ الفساد في الأرض يحذّرها كيدهم و مكرهم على ضوء تاريخهم و جبلّتهم المنحرفة، فلا تنخدع بأقوالهم و دعاويهم الكاذبة و وسائلهم الماكرة في الفتنة و التضليل.
نعم كانت صورة الجفاف و القسوة و الجدب هي التي صوّر اللّه بها قلوب بني إسرائيل في آيات سبقت، صورة الحجارة الصلدة التي لا تنضّ منها قطرة، و لا يلين لها مسّ، و لا تنبض فيها حياة و هي صورة توحي باليأس من هذه الطبيعة الجاسية الجامدة الخاوية و في ظلّ هذا التصوير، و ظلّ هذا الإيحاء، يلتفت السياق إلى المؤمنين، الّذين يطمعون- لحسن نيّتهم- في هداية هؤلاء الأشاكس الطباع، و ربما يحاولون أن يبثّوا في قلوبهم الإيمان، و أن يفيضوا عليها النور يلتفت إلى أولئك المؤمنين بسؤال يوحي باليأس و القنوط.
أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ!- استفهام تعجيب و تيئيس- وَ قَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ- يخونون في أداء رسالة اللّه- يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ- و فهموه على حقيقته التي لا ريب فيها- وَ هُمْ يَعْلَمُونَ فكانوا عن عمد و سوء نيّة يحرّفون الكلم عن مواضعه.