التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩ - سورة البقرة(٢) آية ٤٨
قال أبو جعفر: فذلك معنى قوله جلّ ثناؤه: لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً يعني أنّها لا تقضي عنها شيئا لزمها لغيرها؛ لأنّ القضاء هنالك من الحسنات و السيّئات على ما وصفنا. و كيف يقضي عن غيره ما لزمه من كان يسرّه أن يثبت له على ولده أو والده حقّ، فيأخذه منه و لا يتجافى له عنه؟[١]
و قد زعم بعض نحويّي البصرة أنّ معنى قوله: لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً: لا تجزي منها أن تكون مكانها. و هذا قول يخالفه ظاهر القرآن و ذلك أنّه غير معقول في كلام العرب أن يقول القائل:
ما أغنيت عنّي شيئا، بمعنى: ما أغنيت منّي أن تكون مكاني، بل إذا أرادوا الخبر عن شيء أنّه لا يجزي من شيء، قالوا: لا يجزي هذا من هذا، و لا يستجيزون أن يقولوا: لا يجزي هذا من هذا شيئا.
فلو كان تأويل قوله: لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً ما قاله هذا القائل، لقال: وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ كما يقال: لا تجزي نفس من نفس، و لم يقل: «لا تجزي نفس من نفس شيئا». و في صحّة التنزيل بقوله: «لا تجزي نفس عن نفس شيئا» أوضح الدلالة على صحّة ما قلنا، و فساد قول هذا القائل![٢].
[٢/ ١٧٠١] و أخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله: لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً قال: لا تغني نفس مؤمنة عن نفس كافرة من المنفعة شيئا[٣].
[٢/ ١٧٠٢] و قال مقاتل بن سليمان في قوله: وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ يقول: لا تغني نفس كافرة عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً من المنفعة في الآخرة. وَ لا يُقْبَلُ مِنْها يعني: من هذه النفس الكافرة[٤].
قوله تعالى: وَ لا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ
قال أبو جعفر: و الشفاعة مصدر من قول الرجل: شفع لي فلان إلى فلان شفاعة، و هو طلبه إليه في قضاء حاجته. و إنّما قيل للشفيع شفيع و شافع، لأنّه ثنّى المستشفع به، فصار له شفعا، فكان ذو
[١] تجافى له عن الشيء: أعرض عنه و لم يلازمه بطلبه، و تجاوز له عنه.
[٢] الطبري ١: ٣٧٩- ٣٨١، بتلخيص.
[٣] ابن أبي حاتم ١: ١٠٤/ ٤٩٩. عن السدّيّ عن أبي مالك؛ الدرّ ١: ١٦٦.
[٤] تفسير مقاتل ١: ١٠٣.