التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨ - سورة البقرة(٢) آية ٤٨
قال أبو جعفر: و أصل الجزاء في كلام العرب: القضاء و التعويض، يقال: جزيته قرضه و دينه أجزيه جزاء، بمعنى: قضيته دينه، و من ذلك قيل: جزى اللّه فلانا عنّي خيرا أو شرّا، بمعنى: أثابه عنّي و قضاه عنّي ما لزمني له بفعله الذي سلف منه إليّ. و قد قال قوم من أهل العلم بلغة العرب: يقال:
أجزيت عنه كذا: إذا أعنته عليه، و جزيت عنك فلانا: إذا كافأته. و قال آخرون منهم: بل جزيت عنك: قضيت عنك، و أجزيت: كفيت. و قال آخرون منهم: بل هما بمعنى واحد، يقال: جزت عنك شاة و أجزت، و جزى عنك درهم و أجزى، و لا تجزي عنك شاة و لا تجزي[١] بمعنى واحد، إلّا أنهم ذكروا أنّ جزت عنك و لا تجزي عنك من لغة أهل الحجاز، و أنّ أجزأ و تجزئ من لغة غيرهم.
و زعموا أنّ تميما خاصّة من بين قبائل العرب تقول: أجزأت عنك شاة، و هي تجزئ عنك. و زعم آخرون أنّ جزى بلا همز: قضى، و أجزأ بالهمز: كافأ. فمعنى الكلام إذا: و اتقوا يوما لا تقضي نفس عن نفس شيئا و لا تغني عنها غنى.
فإن قال لنا قائل: و ما معنى: لا تقضي نفس عن نفس، و لا تغني عنها غنى؟ قيل: هو أنّ أحدنا اليوم ربما قضى عن ولده أو والده أو ذي الصداقة و القرابة دينه؛ و أمّا في الآخرة فإنّه فيما أتتنا به الأخبار عنها يسرّ الرجل أن يبرد له على ولده أو والده حقّ[٢]، و ذلك أنّ قضاء الحقوق في القيامة من الحسنات و السيئات. كما:
[٢/ ١٦٩٩] عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «رحم اللّه عبدا كانت عنده لأخيه مظلمة في عرض أو مال فاستحلّه قبل أن يؤخذ و ليس ثمّ دينار و لا درهم، فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته، و إن لم تكن له حسنات حمّلوه عليه من سيئاتهم»[٣].
[٢/ ١٧٠٠] و عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لا يموتنّ أحدكم و عليه دين، فإنّه ليس هناك دينار و لا درهم، إنّما يقتسمون هنالك الحسنات و السيّئات» و أشار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بيده يمينا و شمالا.
[١] تجزي الأولى مفتوحة التاء، و الثانية مضمومة. أو بالعكس.
[٢] يقال: برد الحقّ عليه أو له، إذا ثبت.
[٣] الترمذي ٤: ٣٦- ٣٧/ ٢٥٣٤، و قال: هذا حديث حسن صحيح.