التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩٤ - ٢ - نسخ التلاوة دون الحكم
و لكنّه أخبره بأنّها كانت تعدل سورة البقرة و لم يقل له: إنّها تعدل الآن، فصحّ نسخ لفظها!
ثمّ يروي آية الرجم عن زيد و عمر بن الخطّاب و يقول: إسناد جيّد.
[٢/ ٢٩٤٤] و يروى عن عائشة، قالت: لقد نزلت آية الرجم و الرضاعة، فكانتا في صحيفة تحت سريري، فلمّا مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تشاغلنا بموته فدخل داجن فأكلها!
قال: و هذا حديث صحيح. و ليس هو على ما ظنّوا، لأنّ آية الرجم إذ نزلت حفظت و عرفت و عمل بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلّا أنّه لم يكتبها نسّاخ القرآن في المصاحف، و لا أثبتوا لفظها في القرآن، و قد سأله (أي زيدا) عمر بن الخطّاب ذلك فلم يجبه! فصحّ نسخ لفظها، و بقيت الصحيفة التي كتبت فيها كما قالت عائشة، فأكلها الداجن و لا حاجة بأحد إليها.[١]
قلت: و إنّي لأستغرب هذا التمحّل الفاضح في كلام مثل هذا الرجل المعروف بالتحقيق و دقّة النظر و الاختيار!
كيف يقول: لا حاجة إليها و هي سند حكم تشريعيّ ثابت! ثمّ كيف لا يعلم بالآية أحد من كتبة الوحي و لم يكتبوها سوى أنّها كتبت في صحيفة و أودعت عند عائشة فحسب، و كيف أنّها تركتها تحت سريرها ليأكلها داجن البيت؟! كلّ ذلك لغريب يستبعده العقل السليم.
و الذي غرّ هؤلاء: أنّها أحاديث جاءت في الصحاح الستّة و غيرها[٢]، و لا بدّ لهم- و هم متعبّدون بما جاء فيها- أن يتقبّلوها على علّاتها مهما خالفت نهج النقد و التحقيق.
هذا و قد أكثر جلال الدين السيوطي[٣] من نقل هكذا روايات ساقطة، و من قبله شيخه بدر الدين الزركشي و لكن مع شيء من الترديد[٤] و قد أخذها بعض الكاتبين المحدثين أدلّة قاطعة من غير تحقيق. قال- متشدّقا-: و إذا ثبت وقوع هذين النوعين كما ترى، ثبت جوازهما، لأنّ الوقوع أعظم دليل على الجواز كما هو مقرّر. و إذن بطل ما ذهب إليه المانعون له من ناحية الشرع، كأبي
[١] المحلّى ١١: ٢٣٤- ٢٣٦.
[٢] راجع: البخاري ٨: ٢٠٩- ٢١٠ و مسلم ٥: ١١٦ و ٤: ١٦٧ و الحاكم ٤: ٣٥٩. و مسند أحمد ١: ٢٣ و ٢: ٤٣ و الترمذي ٤:
٣٩ و ٣: ٤٥٦.
[٣] راجع: الإتقان ٣: ٧٢- ٧٥. و الدرّ ٤: ٣٦٦، ذيل الآية ٥٢ من سورة الحجّ.
[٤] راجع: البرهان ٢: ٣٥- ٣٧.