التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٩ - مسألة الخلود في النار
مسألة الخلود في النار
هنا سؤال قديم: كيف يخلد العاصي في النار بذنوب كان لها أمد قصير؟
و الجواب الحاسم هو ما جاء في حديث أبي هاشم الآنف مع أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام: أنّ المجازاة في الدار الأخرى إنّما هي على النوايا التي ترسم شاكلة الإنسان في كيان ذاته فتؤهّله إمّا للقرب الدائم من ساحة قدسه تعالى، أو الابتعاد أبدا[١].
و بعبارة أخرى: ليست المثوبات و العقوبات في النشأة الأخرى- كالمجازاة في هذه الحياة- بالمواضعة و الجعل الاعتباري المحض بل هي انعكاسات ذاتيّة لأعمال قام بها، و كانت محاكاة لنفسيّاته التي كانت تدور في خلده و كلّ إناء بالذي فيه ينضح.
و كلّ عمل يقوم به الإنسان من خير أو شرّ، إنّما ينبئك عن حسن نيّته أو سوء سجيّته، ليكون عمله إفراغا لما انطوت عليه سريرته التي هو صنعها طول مزاولاته في الحياة. قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا[٢].
و هذه الشاكلة التي يرسمها الإنسان لنفسه، سوف تتبلور بشكل أوفى في دار أخرى، و تؤتي أكلها- من طيّب أو خبيث- ذلك الحين بإذن ربّها و هذا ما اصطلحوا عليه من تجسّم الأعمال.
و من ثمّ لا يستحقّ الخلود في النار إلّا من رانت نفسه و غمرته أدران الغثاثة و الفساد.
قال تعالى: بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ[٣].
و كسب السيئة هنا كناية عن محاولة و إصرار في مكسبة السيّئات، بحيث انهمك فيها و شغلته عن الإنابة و الرجوع، حتّى فارق الحياة، و لم يترك فيها بصيصا يجعله على رجاء فهذا قد أخلد نفسه إلى الأرض- مطاليب سفلى- و لم يعمل للارتقاء إلى سماء العلى، و لا مثقال حبّة وَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ[٤]. وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً[٥].
و بذلك تعرف وجه اختصاص الخلود- في النار- بمن لم يحتفظ بإيمانه و مات كافرا؛ إذ لو
[١] تقدّم نقله من الكافي ٢: ٨٥/ ٥. و العيّاشي ٢: ٣٣٩/ ١٥٨.
[٢] الإسراء ١٧: ٨٤.
[٣] البقرة ٢: ٨١.
[٤] الأعراف ٧: ١٧٦.
[٥] الكهف ١٨: ٢٨.