التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩٢ - ٢ - نسخ التلاوة دون الحكم
تقتضي نزولها هي اشتمالها على حكم تشريعيّ ثابت، فلما ذا ترفع الآية وحدها! في حين اقتضاء المصلحة بقاءها لتكون سندا للحكم الشرعي الثابت!
و من ثمّ فإنّ القول بذلك استدعى تشنيع أعداء الإسلام و تعييرهم على المسلمين في كتابهم المجيد.
و أخيرا فإنّ الالتزام بذلك- حسب منطوق تلك الروايات- التزام صريح بتحريف القرآن الكريم، و حاشاه من كتاب إلهي خالد، مضمون بالحفظ مع الخلود.
و لذلك فإنّ هذا القول باطل عندنا- معاشر الإماميّة- رأسا، لا مبرّر له إطلاقا، فضلا عن مساسه بقداسة القرآن المجيد.
قال سيّدنا الأستاذ- طاب ثراه-: أجمع المسلمون على أنّ النسخ لا يثبت بخبر الواحد، كما أنّ القرآن لا يثبت به. و ذلك لأنّ الأمور المهمّة التي جرت العادة بشيوعها بين الناس و انتشار الخبر عنها، لا تثبت بخبر الواحد، فإنّ اختصاص نقلها ببعض دون بعض بنفسه دليل على كذب الراوي أو خطائه. و على هذا فكيف يثبت بخبر الواحد أنّ آية الرجم من القرآن و أنّها نسخت؟! نعم جاء عمر بآية الرجم و ادّعى أنّها من القرآن، لكن المسلمين لم يقبلوا منه. لأنّ نقلها كان منحصرا به، فلم يثبتوها في المصاحف، لكنّ المتأخرين التزموا بأنّها كانت آية منسوخة التلاوة باقية الحكم.[١]
*** هذا و لكن جلّ علماء أهل السنّة بما فيهم من فقهاء كبار و أئمّة محقّقين، التزموا بهذا القول المستند إلى لفيف من أخبار آحاد حسبوها صحيحة الإسناد، و هذا إيثار لكرامة القرآن على حساب روايات لا حجيّة فيها في هذا المجال، و إن فرضت صحيحة الإسناد في مصطلحهم، إذ صحّة السند إنّما تجدي في فروع مسائل فقهيّة، لا إذا كانت تمسّ كرامة القرآن و تمهّد السبيل لإدخال الشكوك على كتاب المسلمين.
هذا الإمام السرخسي- المحقّق الأصولي الفقيه- بينما شدّد النكير على القائل بالنسخ من النوع الأوّل، إذا هو يلتزم به في هذا النوع، في حين عدم فرق بينهما فيما ذكره من استدلال لبطلان الأوّل!
[١] البيان: ٣٠٤.