التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣ - سورة البقرة(٢) آية ٤٧
[ادامة تفسير سورة البقرة في ضوء الدّلائل و البيّنات]
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ٤٧ الى ٤٨]
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (٤٧) وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَ لا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَ لا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)
تأكيد و تكرار لما سبق من التذكير.
و التفصيل المنوّه عنه في الآية بشأن بني إسرائيل، تفضيل موقوت بزمان استخلافهم و اختيارهم. فأمّا بعد ما عتوا عن أمر ربّهم و عصوا أنبياءهم و جحدوا نعم اللّه عليهم و نبذوا العهود و المواثيق، فقد أعلن اللّه حكمه عليهم باللعنة و الغضب و الذلّة و المسكنة، و قضى عليهم بالبعثرة و التشريد و حقّ عليهم الوعيد. وَ إِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَ جَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً[١]. نعم و في نفس الوقت تذكير لهم بما كان لهم من فضل اللّه عليهم و عهده إليهم، و إطماع لهم لينتهزوا الفرصة المتاحة على يدي الدعوة الإسلامية، فيعودوا إلى موكب الإيمان و إلى عهد اللّه، شكرا على تفضيله لآبائهم.
و رغبة في العودة إلى مقام التكريم الّذي يناله المؤمنون.
هذا، و مع الإطماع في الفضل و النعمة، تحذير من اليوم الّذي لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً؛ حيث التبعة هناك فرديّة و الحساب شخصيّ، و كلّ نفس مسئولة عن ذاتها و لا تغني نفس عن نفس شيئا.
و هذا هو المبدأ الإسلامي الحنيف، مبدأ التبعة الفرديّة القائمة على الإرادة و التمييز من الإنسان ذاته، و على العدل المطلق من اللّه! و هو أقوم المبادئ الّتي تشعر الإنسان بكرامته، و التي تستجيش اليقظة الدائمة في ضميره. و كلاهما عامل قويّ من عوامل التربية، فوق أنّه قيمة إنسانيّة تضاف إلى رصيده من القيم التي يكرمه بها الإسلام.
و هكذا وَ لا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَ لا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ إذ لا تنفع يومئذ شفاعة من لم يقدّم إيمانا
[١] الإسراء ١٧: ٨.