التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦٥ - كلام عن عصمة الملائكة
كلام عن عصمة الملائكة
العصمة عبارة عن بصيرة نافذة و حاجزة دون ارتكاب الذمائم تلك الذمائم التي يترفّع عنها ذوو النفوس القدسيّة الملكوتيّة.
و هكذا الأنبياء و الأولياء الصالحون يملكون بصيرة نافذة، يرون من كلّ فضيلة فضيلتها الذاتيّة ليرغبوا فيها رغبة ذاتيّة و بدافع نفسي عريق و كذا يرون من كلّ رذيلة رذيلتها الذاتيّة، ليجتنبوها ذاتيّا و بحاجز نفسي عميق فلا يكاد أن يمدّوا يدا إلى إثم، أو يرتكبوا مظلمة، ما داموا على ذلك الانبعاث النفسي الرشيد.
و هذا لا يعني أنّهم مجبورون على ذلك، بل مجبولون عليه، بفضل بصيرتهم و كمال عقلهم و رشد طويّتهم فإنّما هي إرادة ناشئة من صميم الذات الصافية الضاحية على وضح النور.
و كذلك الملائكة عِبادٌ مُكْرَمُونَ. لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ.[١] لهم أنفس نوريّة بيضاء لائحة لا يريدون إلّا ما أراده اللّه و لا يفعلون إلّا ما أمرهم اللّه لا عن إجبار و إكراه، و إلّا لم يكن مدحا لهم، بل عن إرادة حازمة، ناشئة عن بصيرتهم الذاتيّة النافذة.
و هم على درجات: وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ. وَ إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ. وَ إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ.[٢] لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ.[٣]
و من ثمّ فإنّهم- بفضل بصيرتهم و حزم إرادتهم- لا يرتكبون خطيئة، ما دام قبحها لائحا لهم بوضوح، و هكذا كلّ من طابت نفسه و لطفت سجيّته، لا يقرب إثما، و إنّما يفعل الخير محضا و يأتي بصالح الأعمال خالصة.[٤]
لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ. يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ.[٥]
فالملائكة مترفّعون في صميم الذات عن ارتكاب الآثام، و لا تطيق قدسيّة نفوسهم التخطّي عمّا خطّط لهم في مسيرة الوجود.
[١] الأنبياء ٢١: ٢٦- ٢٧.
[٢] الصّافات ٣٧: ١٦٤- ١٦٦.
[٣] التحريم ٦٦: ٦.
[٤] راجع: الميزان ١٩: ٣٨٨.
[٥] الأنبياء ٢١: ١٩- ٢٠.