التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٨ - سورة البقرة(٢) آية ٦٠
قال: و هذه العيون بالبرّ الشرقيّ غير بعيدة من مدينة «السويس» شهيرة بعيون موسى و قلّ اليوم ماء هذه العيون و بعضها طمست آثاره، و يزرع على تلك المياه بعض النخيل.
قال: و الظاهر أنّ ضرب الحجر و انبجاسه بالماء حصل مرّات[١].
*** قال أبو جعفر الطبري: يعني بقوله: وَ إِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ: و إذ استسقانا موسى لقومه، أي سألنا أن نسقي قومه ماء. فترك ذكر المسئول ذلك و المعنى الذي سأل موسى، إذ كان فيما ذكر من الكلام الظاهر، دلالة على معنى ما ترك. و كذلك قوله: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً ممّا استغني بدلالة الظاهر على المتروك منه. و ذلك أنّ معنى الكلام، فقلنا: اضرب بعصاك الحجر فضربه فانفجرت، فترك ذكر الخبر عن ضرب موسى الحجر، إذ كان فيما ذكر دلالة على المراد منه. و كذلك قوله: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ إنّما معناه: قد علم كلّ أناس منهم مشربهم، فترك ذكر منهم لدلالة الكلام عليه.
و قد دلّلنا فيما مضى على أنّ «الناس» جمع لا واحد له من لفظه، و أنّ «الإنسان» لو جمع على لفظه لقيل: أناسيّ و أناسية[٢]. و قوم موسى هم بنو إسرائيل الّذين قصّ اللّه- عزّ و جلّ- قصصهم في هذه الآيات، و إنّما استسقى لهم ربّه الماء في الحال التي تاهوا فيها في التيه، كما:
[٢/ ٢١٦٧] روى سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قوله: وَ إِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ الآية قال:
كان هذا إذ هم في البرّيّة اشتكوا إلى نبيّهم الظمأ، فأمروا بحجر طوريّ- أي من الطور- أن يضربه موسى بعصاه، فكانوا يحملونه معهم، فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، لكلّ سبط عين معلومة مستفيض ماؤها لهم.
[٢/ ٢١٦٨] و روى سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: ذلك في التيه ظلّل عليهم الغمام، و أنزل عليهم المنّ و السلوى، و جعل لهم ثيابا لا تبلى و لا تتّسخ، و جعل بين ظهرانيهم حجر مربّع، و أمر موسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا في كلّ ناحية منه ثلاث عيون، لكلّ
[١] قصص الأنبياء: ٢١١.
[٢] و آناس أيضا و أناس في الآية، جمع إنس، واحدته: إنسيّ. و يجمع على أناس و أناسي.