التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٨ - من هو الأمي؟
الخلق و بين اللّه، فلذلك ذمّهم لما قلّدوا من قد عرفوا و من قد علموا أنّه لا يجوز قبول خبره و لا تصديقه في حكايته، و لا العمل بما يؤدّيه إليهم عمّن لم يشاهدوه، و وجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، إذ كانت دلائله أوضح من أن تخفى و أشهر من أن لا تظهر لهم.
و كذلك عوامّ أمّتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر و العصبيّة الشديدة و التكالب على حطام الدنيا و حرامها و إهلاك من يتعصّبون عليه و إن كان لإصلاح أمره مستحقّا، و بالترفّق بالبرّ و الإحسان على من تعصّبوا له، و إن كان للإذلال و الإهانة مستحقّا، فمن قلّد من عوامّنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الّذين ذمّهم اللّه تعالى بالتقليد لفسقة فقهائهم.
فأمّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوامّ أن يقلّدوه، و ذلك لا يكون إلّا في بعض الفقهاء دون بعض لا جميعهم فإنّه من ركب من القبائح و الفواحش مراكب الفسقة فلا تقبلوا منهم عنّا شيئا و لا كرامة لهم.
و إنّما كثير التخليط فيما يتحمّل عنّا أهل البيت لذلك، لأنّ الفسقة يتحمّلون عنّا فيحرّفونه بأسره لجهلهم و يضعون الأشياء على غير وجهها، لقلّة معرفتهم. و آخرون يتعمّدون الكذب علينا ليجرّوا من عرض الدنيا ما هو زادهم، إلى نار جهنم»[١].
من هو الأمّيّ؟
الأمّي هو الذي لا يقرأ في كتاب و لا يخطّ في قرطاس.
و لكن ما وجه نسبته إلى الأمّ؟
ذكر المشهور أنّ هذه النسبة جاءته من قبل كونه كيوم ولدته أمّه لا يعرف شيئا لا القراءة و لا الكتابة.
و لكنّ أبا جعفر الطبري ذكر وجها لعلّه أدقّ، قال:
«و أرى أنّه قيل للأمّيّ أمّي نسبة له إلى أمّه، لأنّ الكتابة ذلك العهد كانت في الرجال دون النساء، فنسب من لا يكتب و لا يخطّ من الرجال إلى أمّه في جهله بالكتابة، دون أبيه ..»[٢].
أي إنّه ورث الجهل بالكتابة من أمّه دون أبيه، إذ قد لعلّه كان يعرفها.
[١] تفسير الإمام: ٢٩٩؛ البحار ٢: ٨٦/ ١٢.
[٢] الطبري ١: ٥٢٨.