التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٥ - سورة البقرة(٢) آية ٦١
لاجتماع خطوط مصاحف المسلمين، و اتّفاق قراءة القرّاء على ذلك. و لم يقرأ بترك التنوين فيه و إسقاط الألف منه إلّا من لا يجوز الاعتراض به[١] على الحجّة فيما جاءت به من القراءة مستفيضا بينها[٢].
*** و قال في تأويل قوله تعالى: وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسْكَنَةُ.
يعني بقوله: وَ ضُرِبَتْ أي فرضت و وضعت عليهم الذلّة و ألزموها؛ من قول القائل: ضرب الإمام الجزية على أهل الذمّة، و ضرب الرجل على عبده الخراج؛ يعني بذلك وضعه فألزمه إيّاه، و من قولهم: ضرب الأمير على الجيش البعث[٣]، يراد به ألزمهموه.
و أمّا الذلّة، فهي الفعلة من قول القائل: ذلّ فلان يذلّ ذلّا و ذلّة، كالصغرة من صغر الأمر، و القعدة من قعد، و الذلّة: هي الصغار الذي أمر اللّه جلّ ثناؤه عباده المؤمنين أن لا يعطوهم أمانا على القرار على ما هم عليه من كفرهم به و برسوله إلّا أن يبذلوا الجزية عليه لهم، فقال جلّ و عزّ: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ[٤]. كما:
[٢/ ٢٢١٦] روى معمر، عن الحسن و قتادة في قوله: وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ قالا: يعطون الجزية عن يد و هم صاغرون.
و أمّا المسكنة، فإنّها مصدر المسكين، يقال: ما فيهم اسكن من فلان و ما كان مسكينا و لقد تمسكن مسكنة. و من العرب من يقول: تمسكن تمسكنا. و المسكنة في هذا الموضع مسكنة الفاقة و الحاجة، و هي خشوعها و ذلّها، كما:
[٢/ ٢٢١٧] روى الربيع، عن أبي العالية في قوله: وَ الْمَسْكَنَةُ قال: الفاقة.
[٢/ ٢٢١٨] و روى أسباط، عن السدّي، قوله: وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسْكَنَةُ قال: الفقر.
[١] إذ لا يعتبر قراءة ابن مسعود حجّة في مقابلة قراءة المشهور و إجماع المصاحف.
[٢] الطبري ١: ٤٤٦- ٤٤٩.
[٣] البعث: بعث الجند إلى الغزو.
[٤] التوبة ٩: ٢٩.