التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٦ - كلام عن حقيقة الشكر و مراحله الثلاث علم و حال و عمل
و الانبساط الحاصل للنفس بسبب النعمة التي أنعم اللّه عليه تفضّلا و تكريما لجانبه .. و ليكن هذا الفرح و الانبساط ناشئا من جهة أنّه تعالى تكرّم عليه و خصّه بالعناية و الإفضال، لا لمجرّد النعمة و الإحسان عليه محضا. إذ يكون ارتياح نفس المؤمن منبعثا عن شعوره بتلك العناية الإلهيّة الخاصّة بعباده المخلصين و قد شملته و هذا هو الفوز العظيم .. أمّا الارتياح الحاصل من جهة ذات النعمة الموجبة لرفاه الحال، فهذا مشترك بين المؤمن و غيره، و لا يدخل في باب الشكر، ما لم يكن ماسّا بالذي أنعم عليه، و مقرّبا لديه.
و من ثمّ قال الشبلي: الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعمة[١].
و قال الخوّاص[٢]: شكر العامّة على المطعم و الملبس و المشرب، و شكر الخاصّة على واردات القلوب[٣]. و قال بعضهم: الشكر أن لا يرى النعمة البتة بل يرى المنعم[٤].
و الأصل الثالث، و هو العمل بموجب الفرح الحاصل من معرفة المنعم، إنّما يتعلّق بالقلب و باللّسان و بالجوارح.
أمّا بالقلب فهو نيّة الخير و إضماره لكافّة الخلق، و أن لا ينوي الشرّ لأحد من الخلائق إطلاقا.
و أمّا باللّسان فإظهار الشكر للّه تعالى بالتحميدات الدالّة عليه، و منه التحدّث بنعمه تعالى عليه لا فخرا و مباهاة، بل تواضعا و استكانة للّه تعالى حيث فضله و رحمته على العباد، و أنّ عنايته شاملة، وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ[٥].
[٢/ ١٨٩١] قال الإمام أبو عبد اللّه الصادق عليه السّلام: «في قوله تعالى: وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ[٦] معناه:
فحدّث بما أعطاك اللّه و فضّلك و رزقك و أحسن إليك و هداك»[٧].
قال الطبرسي: التحدّث بنعمة اللّه شكر و تركه كفر[٨].
[١] إحياء العلوم ٤: ٨١.
[٢] بفتح الخاء و تشديد الواو: اسم لمن ينسج بالخوص- و هو سعف النخل- المراوح و نحوها. و المشهور بهذه النسبة سلم بن ميمون الخوّاص، من عبّاد أهل الشام و قرّائهم.( الأنساب للسمعاني ٢: ٤١١).
[٣] المصدر.
[٤] الثعلبي ١: ١٩٦.
[٥] إحياء العلوم ٤: ٨٢.
[٦] الضحى ٩٣: ١١.
[٧] مجمع البيان ١٠: ٥٠٧.
[٨] المصدر.