التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٥ - ما ذا تهدينا ملامح التعبير؟
كما لا نصّ مستندا إلى المعصوم، حسبما صرّح به الإمام عبده[١].
و قد تقدّم كلام سيّد قطب: و ليس من الضروري أن يستحيلوا قردة بأجسامهم، فقد استحالوا إليها بأرواحهم و أفكارهم. و انطباعات الشعور و التفكير تعكس على الوجوه و الملامح سمات تؤثّر في السحنة و تلقي ظلّها العميق[٢]. و هذا هو الأوجه و الأوفق مع الاعتبار، و الأظهر حسب ملامح التعبير.
ما ذا تهدينا ملامح التعبير؟
جاء التعبير في سورة المائدة هكذا:
مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ وَ جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَ الْخَنازِيرَ وَ عَبَدَ الطَّاغُوتَ.
قوله: وَ عَبَدَ الطَّاغُوتَ عطف على جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَ الْخَنازِيرَ. أثرا مباشرا لوقوع اللعنة و الغضب عليهم، بسوء تصرّفهم.
فهم إنّما انقلبوا من الصورة الإنسانية النبيلة إلى صورة بهائم شرسة، لكونهم خرجوا من ظلّ عنايته تعالى إلى مهوى غضبه و سخطه.
و لنفس السبب خرجوا من عزّ عبادة اللّه إلى ذلّ عبادة الطاغوت.
فكما أنّ هذا التحوّل الأخير لم يكن عن قسر و إلجاء. و إنّما هو عن سوء نيّة و اجتراء. فكذلك التحوّل من الإنسانيّة إنّما حصل بسوء اختيارهم هم، فهم جعلوا أنفسهم قردة و خنازير. و هذا لا يكون إلّا معنويّا لا صوريّا بتحوّل الأجساد.
و هذا نظير قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ[٣]. أي هم لفرط جهلهم و تمادي غيّهم جعلوا لأنفسهم حجابا حائلا دون سماع العظة و التذكار. وَ قالُوا قُلُوبُنا
[١] المنار ١: ٣٤٥. و هكذا لم يأت في تفاسيرنا شيء من ذلك مأثورا عن العترة الطاهرة. سوى ما في تفسير الإمام و هو مجهول الانتساب. و تفسير القمّي، لم يعرف واضعه لحدّ الآن. و في رواية للعيّاشي( ١: ٦٤/ ٥٥) بإسناد مقطوع عن عبد الصمد بن برار- مجهول- عن الكاظم عليه السّلام. تقدّم نقله و لا يصلح مستندا.
[٢] في ظلال القرآن ١: ٩٩- ١٠٠.
[٣] البقرة ٢: ٧.