التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٣ - كلام عن المسوخ
إرادة الحقيقة.
قال تعالى: وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ. فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَ ما خَلْفَها وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ[١].
و قال: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ[٢].
و قال: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ وَ جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَ الْخَنازِيرَ وَ عَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَ أَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ[٣].
و هذا نظير قوله: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ[٤] أي كأنّه خلق من عجل لفرط عجله في الأمور.
وَ كانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا[٥] أي دأب على العجلة.
و قوله: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً. إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً. وَ إِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً[٦]. قال الزمخشري:
إنّ الإنسان لإيثاره الجزع و المنع و تمكّنهما منه و رسوخهما فيه، كأنّه مجبول عليهما مطبوع، و كأنّه أمر خلقي و ضروري غير اختياري. كقوله تعالى: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ.
و استدلّ على أنّه من الاستعارة و التشبيه بأنّه ذمّ، و اللّه لا يذمّ فعل نفسه لو كان هو خلقه كذلك.
لكن الإنسان لفرط جهله و إفراطه في الأمور، صار متطبّعا على ذلك، كأنّه مطبوع و مفطور عليه ذاتا.
قال: و الدليل عليه: استثناء المؤمنين إِلَّا الْمُصَلِّينَ .. الّذين جاهدوا أنفسهم و حملوها على المكاره و ظلفوها عن الشهوات، حتّى لم يكونوا جازعين و لا مانعين[٧].
[٢/ ٢٣٦٦] و روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «شرّ ما في رجل شحّ هالع و جبن خالع»[٨].
[٢/ ٢٣٦٧] و قال: «لا يجتمع شحّ و إيمان في قلب رجل مسلم»[٩].
[١] البقرة ٢: ٦٥- ٦٦.
[٢] الأعراف ٧: ١٦٦.
[٣] المائدة ٥: ٦٠.
[٤] الأنبياء ٢١: ٣٧.
[٥] الإسراء ١٧: ١١.
[٦] المعارج ٧٠: ١٩- ٢١.
[٧] الكشّاف ٤: ٦١٢.
[٨] أبو داود ١: ٥٦٤/ ٢٥١١، كتاب الجهاد، باب الجرأة و الجبن. مسند أحمد ٢: ٣٠٢ و ٣٢٠.
[٩] مسند أحمد ٢: ٢٥٦، ٣٤٠، ٣٤٢، ٤٤١؛ النسائي ٣: ١٠- ١١/ ٤٣٢٣.