التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦١ - سورة البقرة(٢) الآيات ٦٥ الى ٦٦
لتأمن من صائدها، فرامت الرجوع فلم تقدر، و بقيت ليلها في مكان يتهيّأ أخذها بلا اصطياد لاسترسالها فيه و عجزها عن الامتناع لمنع المكان لها، فكانوا يأخذونها يوم الأحد و يقولون ما اصطدنا يوم السبت و إنّما اصطدنا في الأحد و كذب أعداء اللّه، بل كانوا آخذين لها بأخاديدهم التي عملوها يوم السبت حتّى كثر من ذلك مالهم و ثراؤهم و تنعّموا بالنساء و غيرها لاتّساع أيديهم.
و كانوا في المدينة نيفا و ثمانين ألفا، فعل هذا منهم سبعون ألفا و أنكر عليهم الباقون، كما قصّ اللّه وَ سْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ[١] الآية، و ذلك أنّ طائفة منهم وعظوهم و زجروهم و من عذاب اللّه خوّفوهم، و من انتقامه و شديد بأسه حذّروهم فأجابوهم عن وعظهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ، بذنوبهم هلاك الاصطلام[٢]، أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً أجابوا القائلين لهم هذا:
مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ إذ كلّفنا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فنحن ننهى عن المنكر ليعلم ربّنا مخالفتنا لهم و كراهتنا لفعلهم، قالوا: وَ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ[٣] و نعظهم أيضا لعلّه تنجع فيهم المواعظ فيتّقوا هذه الموبقة، و يحذروا من عقوبتها.
قال اللّه عزّ و جلّ: فَلَمَّا عَتَوْا، حادوا و أعرضوا و تكبّروا عن قبولهم الزجر عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ[٤] مبعدين عن الخير مقصّين، قال: فلمّا نظر لهم العشرة آلاف و النيف أنّ السبعين ألفا لا يقبلون مواعظهم و لا يحفلون بتخويفهم إياهم و تحذيرهم لهم، اعتزلوهم إلى قرية أخرى قريبة من قريتهم و قالوا: نكره أن ينزل بهم عذاب اللّه، و نحن في خلالهم، فأمسوا ليلة، فمسخهم اللّه تعالى كلّهم قردة و بقي باب المدينة مغلقا لا يخرج منه أحد و لا يدخل أحد، و تسامع بذلك أهل القرى، فقصدوهم و تسنّموا حيطان البلد، فأطلعوا عليهم فإذا كلّهم رجالهم و نساؤهم قردة يموج بعضهم في بعض، يعرف هؤلاء الناظرون معارفهم و قراباتهم و خلطاءهم، يقول المطّلع لبعضهم: أنت فلان أنت فلانة؟ فتدمع عينه و يومئ برأسه أن نعم. فما زالوا كذلك ثلاثة أيام، ثمّ بعث اللّه- عزّ و جلّ- عليهم مطرا و ريحا فجرفهم إلى البحر، و ما بقي مسخ بعد ثلاثة أيّام، و إنّما الذي
[١] الأعراف ٧: ١٦٣.
[٢] اصطلمه: استأصله.
[٣] الأعراف ٧: ١٦٤.
[٤] الأعراف ٧: ١٦٦.