التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٣ - سورة البقرة(٢) آية ٦٢
أمّا الصابئون فهم طائفة من العرب ساورهم الشكّ فيما كان عليه قومهم من عبادة الأصنام، فصبوا عن دين قومهم، و مالوا إلى الحنيفيّة الأولى، ملّة إبراهيم، دين التوحيد و الخلق الكريم، و اعتزلوا عبادة قومهم، و لكن من غير أن تكون لهم دعوة فيهم، فقال عنهم المشركون: إنّهم صبئوا أي مالوا عن دين آبائهم، و سجّلهم التاريخ باسم الحنفاء.
منهم: ورقة بن نوفل و عبيد اللّه بن جحش و عثمان بن الحويرث و زيد بن عمرو بن نفيل.
قال ابن إسحاق: و اجتمعت قريش يوما في عيد لهم عند صنم كانوا يعظّمونه و ينحرون له و يعكفون لديه و يديرون به، فخلص منهم أربعة نفر، و قال بعضهم لبعض: و اللّه ما قومكم على شيء! لقد أخطئوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجر نطيف به، لا يسمع و لا يبصر و لا يضرّ و لا ينفع؟! يا قوم التمسوا لأنفسكم، فتفرّقوا في البلدان يلتمسون الحنيفيّة دين إبراهيم!
فأمّا ورقة بن نوفل فاستحكم في النصرانيّة.
و أمّا عبيد اللّه بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس.
و أمّا عثمان بن الحويرث فقدم على قيصر ملك الروم فتنصّر و حسنت منزلته لديه.
و أمّا زيد بن عمرو فوقف و لم يدخل في يهوديّة و لا نصرانيّة و فارق دين قومه! فاعتزل الأوثان و امتنع من أكل الميتة و الدّم و الذبائح الّتي تذبح على الأوثان و نهى عن قتل الموءودة و قابل هذه الشنعة بجرأة و شهامة.
و هكذا رافقه في هذا الموقف العصيب صعصعة بن معاوية جدّ الفرزدق رحمه اللّه و في ذلك يقول الفرزدق:
|
و منّا الذي منع الوائدا |
ت، و أحيا الوئيد، فلم يوأد |
|
و لزيد بن عمرو شعر طويل في فراق الوثنيّة يقول فيه:
|
أ ربّا واحدا، أم ألف ربّ |
أدين إذا تقسّمت الأمور |
|
|
عزلت اللات و العزّى جميعا |
كذلك يفعل الجلد الصبور |
|
|
فلا العزّى أدين و لا ابنتيها |
و لا صنمي بني عمرو أزور |
|
|
و لا هبلا أدين، و كان ربّا |
لنا في الدهر إذ حلمي يسير |
|