التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٦ - سورة البقرة(٢) آية ٦١
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): آية ٦١]
وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَ قِثَّائِها وَ فُومِها وَ عَدَسِها وَ بَصَلِها قالَ أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسْكَنَةُ وَ باؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)
نعم كانوا في صحراء قاحلة و مجدبة، فمنّ اللّه عليهم بإنزال المنّ و السلوى و ظلّل عليهم الغمام و أرواهم بتفجّر الصخور أنهارا ... و لكن هل ارتوى عطش القوم بهذه البساطة من العيش الهنيء، أم نازعتهم الرغبة إلى حياة يكدرها تعقيد و التواء و تشريد؟!
فقد طلبوا من موسى أن يدعو ربّه ليخرج لهم أنواع الفواكه و النبات، غير أنّ موسى عليه السّلام تلقّى طلبهم هذا بالاستنكار: أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ...
حيث فهم موسى عليه السّلام ضجرهم عن العيشة الحاضرة و تبرّمهم منها، بعد مغادرتهم مصر، و رغبتهم في العودة إلى ما يوفّر عليهم المآكل حتّى و لو كان في ذلّ العبوديّة الأولى.
فأجابهم مستنكرا عليهم: هذا الذي تطلبونه هيّن زهيد، لا يستحقّ الدعاء فهو موفور في أيّ مصر من الأمصار: اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ، من غير حاجة إلى العودة إلى مصر التي أخرجتم منها و التي كانت حياتكم فيها خانعة ذليلة ... فهذا تأنيب لهم من موسى على فكرة قومه في الرجوع إلى مصر.
غير أنّ العيشة في المدن، حيث وفرة متطلّباتها و تزاحم الرغبات الداعية إلى التطاحن و التنازع في الحياة، ممّا يورث نكبة الذلّ و الهوان و يوجب وفرة الشرّ و الفساد، الأمر الذي جبلت عليه طباع بني إسرائيل، فما يزيدهم غير تخسير.
و إليك ما جاء في الروايات: