التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٥ - كلام في تأويل الحطة
و في هذا دلالة على جواز مناجاة النبيّ عند قبره، و عرض الحوائج لدى ضريحه المقدّس، بل و الاستلهام من فيض قدسه الشريف.
و هكذا كان أجلّاء الصحابة يأتون قبره و يناجونه في سرّ خلدهم مع سيّدهم سيّد الأبرار.
[٢/ ٢١١٩] و روى الحاكم بإسناد صحيح عن داود بن أبي صالح قال: أقبل مروان يوما فوجد رجلا واضعا وجهه على القبر، فأخذ برقبته و قال: أ تدري ما تصنع؟ قال: نعم! فأقبل عليه فإذا هو أبو أيّوب الأنصاري- رضوان اللّه عليه-[١] فقال: جئت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لم آت الحجر! سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: «لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، و لكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله»[٢] معرّضا بمروان! و كان واليا على المدينة من قبل معاوية!!
[٢/ ٢١٢٠] و روى ابن عساكر بالإسناد إلى أبي الدرداء قال: لمّا رحل عمر بن الخطّاب من فتح بيت المقدس فصار إلى جابية، سأله بلال بن رباح مؤذّن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يقرّه بالشام، ففعل. ثمّ إنّ بلالا رأى في منامه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو يقول: «ما هذه الجفوة يا بلال؟! أما آن لك أن تزورني يا بلال؟» فانتبه حزينا وجلا خائفا، فركب راحلته و قصد المدينة فأتى قبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فجعل يبكي عنده و يمرغ وجهه عليه[٣].
و هكذا كان جلّ الصحابة يتبرّكون بقبره و يناجونه، أورد السمهودي كثيرا منها في فصل زيارته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كذا صاحب الغدير و الأحمدي في كتابه تبرّك الصحابة و التابعين بآثار النبيّ و ذويه.
[٢/ ٢١٢١] و أخرج البيهقي في الدلائل بالإسناد إلى مسلم الملائي عن أنس بن مالك، قال: جاء أعرابيّ إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: يا رسول اللّه، لقد أتيناك و ما لنا بعير يئطّ و لا صبيّ يغطّ[٤] و أنشده:
[١] هو خالد بن زيد بن كليب أبو أيّوب الأنصاري النجاري معروف باسمه و كنيته. توفّي سنة اثنتين و خمسين.
[٢] الحاكم ٤: ٥١٥. مسند أحمد ٥: ٤٢٢.
[٣] قال السمهودي: إسناده جيّد( وفاء الوفاء ٤: ١٣٥٦). و رواه ابن الأثير في أسد الغابة ١: ٢٠٨. راجع: الغدير ٥: ١٤٧.
و التبرّك للأحمدي: ١٤٧- ١٥٥.
[٤] الأطيط: صوت البعير المثقّل بالحمل. و الغطيط: صوت النائم يغطّ في نومة مريحة.