التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١١ - سورة البقرة(٢) آية ٦٢
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): آية ٦٢]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هادُوا وَ النَّصارى وَ الصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ عَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)
كانت لليهود و كذا غيرهم من أهل الكتاب أو شبهة الكتاب، دعاو عريضة يزعم كلّ قبيل منهم أنّهم وحدهم على الحقّ و أنّ غيرهم على الباطل. و لا سيّما اليهود كانوا يدّعون أنّهم المهتدون و أنّهم شعب اللّه المختار، و إلى أمثال ذلك من دعاو فارغة لا مستند لها سوى الغرّة و الاستهواء.
و هنا يأتي القرآن ليفنّد تلكم الدعاوي و الاستهواءات، و يقرّر قاعدته الأصيلة: أن لا فضل إلّا بالتقوى. إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ[١] .. كما لا تفاضل بين الأديان بعد أن كان ملاكها و قوامها الأوّل هو الإيمان باللّه العظيم، إيمانا راسخا في القلوب و لينبثق منه العمل الصالح و في سلامة النفس و صدق النيّة و الإخلاص.
هذا هو ملاك الفضيلة، و قد تسامى به الإنسان على سائر الحيوان!
و الآية تقرّر هذا الأصل الأصيل، و أنّ المؤمن له قيمته و زنته عند اللّه، في أيّ زمان و في أيّ مكان، سواء أ كان مؤمنا بشرائع سابقة أم بشرائع لا حقة، كلّا في حدّه الخاصّ، فالمؤمن بشريعة موسى عليه السّلام إذا كان مؤمنا بها لأنّها شريعة اللّه، فهو مؤمن بشريعة عيسى و بشريعة الإسلام، لأنّ الكلّ على نمط واحد، نازلة من عند اللّه، فلا عصبيّة عمياء، و لا انحياز و لا تزاحم في العقائد و السلوك.
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ ما أُوتِيَ مُوسى وَ عِيسى وَ ما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَ نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ[٢].
[١] الحجرات ٤٩: ١٣.
[٢] البقرة ٢: ١٣٦- ١٣٨.