التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٩ - التشديد في التكليف عقوبة
وقت العمل، لأنّ ذلك يؤدّي إلى البداء!
و ذهب آخرون إلى أنّ التكليف واحد، و أنّ الأوصاف المتأخّرة هي للبقرة المتقدّمة، و إنّما تأخّر البيان!
قال: و هو مذهب المرتضى- قدّس اللّه روحه- و استدلّ بهذه الآية على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة. قال: إنّه تعالى لمّا كلّفهم ذبح بقرة قالوا لموسى عليه السّلام: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ. فلا يخلو قولهم «ما هي» من أن يكون كناية عن البقرة المتقدّم ذكرها، أو عن التي أمروا بها ثانيا! و الظاهر من قولهم: «ما هي» يقتضي أن يكون السؤال عن صفة البقرة المأمور بذبحها، لأنّه لا علم لهم بتكليف ذبح بقرة أخرى فيستفهموا عنها، و إذا صحّ ذلك فليس يخلو قوله:
إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَ لا بِكْرٌ من أن يكون الهاء فيه كناية عن البقرة الأولى أو عن غيرها، و ليس يجوز أن يكون كناية عن بقرة ثانية، لأنّ الظاهر يقتضي أن تكون الكناية متعلّقة بما تضمّنه سؤالهم.
و لأنّه لو لم يكن الأمر على ذلك لم يكن جوابا لهم. و قول القائل في جواب من سأله ما كذا و كذا: إنّه بالصفة الفلانيّة، صريح في أنّ الهاء كناية عمّا وقع السؤال عنه. هذا مع قولهم: إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا فإنّهم لم يقولوا ذلك إلّا و قد اعتقدوا أنّ خطابهم مجمل غير مبيّن، و لو كان الأمر على ما ذهب إليه القوم، فلم لم يقل لهم: و أيّ تشابه عليكم؟ و إنّما أمرتم في الابتداء بذبح بقرة أيّة بقرة كانت. و في الثاني بما يختصّ بالسّنّ المخصوص. و في الثالث بما يختصّ باللون المخصوص من أيّ البقر كان.
قال المرتضى: و أمّا قوله تعالى: فَذَبَحُوها وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ فالظاهر أنّ ذمّهم مصروف إلى تقصيرهم أو تأخيرهم امتثال الأمر بعد البيان التامّ، و هو غير مقتض ذمّهم على ترك المبادرة في الأوّل إلى ذبح بقرة. فلا دلالة في الآية على ذلك[١].
[١] مجمع البيان ١: ١٣٦. و راجع: الأمالي للمرتضى ٣: ١٢٧. و البحث مذيّل لخّصه الطبرسي في التفسير. و أورده المجلسي في البحار ١٣: ٢٦٣- ٢٦٥. و له تذييل عليه فراجع.