التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٥ - حادث نتوق الجبل
تعالى قال: قُرْآناً عَرَبِيًّا[١] و قال: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ[٢] و إنّما هذا و أشباهه وفاق بين اللّغتين.
و قد وجدنا الطّور في كلام العرب، و قال جرير:
|
فإن ير سليمان الجنّ يستأنسوا بها |
و إن ير سليمان أحب الطّور ينزل |
|
و قال المفسّرون: و ذلك أنّ اللّه تعالى أنزل التوراة على موسى و أمر قومه بالعمل بأحكامه فأبوا أن يقبلوها و يعملوا بما فيها للأضرار و الأثقال الّتي فيها، و كانت شريعته ثقيلة فأمر اللّه تعالى جبرئيل عليه السّلام يضع جبلا على قدر عسكره و كان فرسخا في فرسخ و رفعه فوق رءوسهم مقدار قامة الرّجل.
[٢/ ٢٣٠٤] روى أبو صالح عن ابن عبّاس قال: أمر اللّه تعالى جبلا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتّى قام على رءوسهم مثل الظلّة.
[٢/ ٢٣٠٥] و روى عطاء عن ابن عبّاس قال: رفع اللّه فوق رءوسهم الطّور و بعث نارا من قبل وجوههم و أتاهم البحر الملح من خلفهم و قيل لهم: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ أي أعطيناكم.
بِقُوَّةٍ بجدّ و مواظبة. و فيه إضمار، أي: و قلنا لهم: خذوا.
وَ اذْكُرُوا ما فِيهِ أي احفظوه و اعلموه و اعملوا به أي اتّعظوا به لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لكي تنجوا من الهلاك في الدّنيا و العذاب في العقبى فإن قبلتموه و فعلتم ما أمرتم به و إلّا رضختكم بهذا الجبل و أغرقتكم في البحر و أحرقتكم بهذه النّار، فلمّا رأوا أن لا مهرب لهم قبلوا لك و سجدوا خوفا و جعلوا يلاحظون الجبل و هم سجود، فصارت سنّة في اليهود لا يسجدون إلّا على أنصاف وجوههم فلمّا زال الجبل قالوا: يا موسى سمعنا و أطعنا و لو لا الجبل ما أطعناك.
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ أعرضتم و عصيتم.
مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي من بعد أخذ الميثاق و رفع الجبل.
فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ بتأخير العذاب عنكم.
لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ لصرتم من المغلوبين بالعقوبة و ذهاب الدّنيا و الآخرة[٣].
[١] يوسف ١٢: ٢؛ طه ٢٠: ١١٣.
[٢] الشعراء ٢٦: ١٩٥.
[٣] الثعلبي ١: ٢١١- ٢١٢.