التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٤ - سورة البقرة(٢) الآيات ٧٥ الى ٧٧
فلا مطمع في أن يؤمن أمثال هؤلاء. فللإيمان الصادق طبيعة أخرى و استعداد آخر: إنّ الطبيعة المؤمنة سمحة هيّنة ليّنة، مفتّحة المنافذ للأضواء و للاتّصال بالنبع الأزلي الخالد أمّا الفريق المشار إليه هم أعلم اليهود و أعرفهم بالحقيقة المنزلة عليهم، و هم الأحبار و كبراء القوم، كانت طبيعتهم سبخة سمجة ذات انحراف شديد .. و من ثمّ لا تنصاع للحقّ إلّا فيما وافق مطامعهم. و فيما عدا ذلك يؤوّلون النصّ الصريح حيث ساق بهم الهوى.
و من ثمّ هذا التخاتل و النفاق الفاضح، كانوا وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا عن خبث و لؤم: آمَنَّا وَ إِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا عقابا لمن صرّح بالحقّ: أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أي أ تحدّثون المسلمين- بكلّ بساطة- بما فتح اللّه عليكم من صدق شريعة اللّه النازلة على محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ يلزموكم يوم القيامة بما اعترفتم به من الحقّ، فيكون حجّة عليكم! أَ فَلا تَعْقِلُونَ أ فلا تتعقّلون المصلحة في الكتمان و المفسدة في الإفشاء.
أ فتطمعون أن يؤمنوا لكم و هم يضيفون إلى خراب الذمّة و كتمان الحقّ و تحريف الكلم عن مواضعه، الرياء و النفاق و الخداع و المراوغة؟!
كان بعضهم إذا لقوا المؤمنين قالوا: آمنّا بأنّ محمّدا مرسل، بحكم ما عندنا من دلائل نبوّته و البشارة بمقدمه، و بحكم أنّهم كانوا ينتظرون بعثته، و يتوقّعون أن ينصرهم اللّه به على من عداهم وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا[١].
و لكن عند ما كان يختلي بعضهم إلى بعض، عاتبوهم على ما أفضوا للمسلمين من صحّة رسالة الإسلام و أنّ ذلك سيعود حجّة لهم عليكم؟!
و هنا نراهم قد تداركتهم طبيعتهم المحتجبة عن معرفته تعالى و أنّه يعلم ما في الصدور. و أنّه سوف يؤاخذهم على نيّاتهم و سوء تصرّفاتهم، سواء أخفوها أم أعلنوها أَ وَ لا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ؟!
[١] البقرة ٢: ٨٢.