التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٧ - قصة الخروج
فأخذ جبرئيل كفّا من حماة (طين أسود) فوضعها في فيه ثمّ قال: آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ[١]. و ذلك أنّ قوم فرعون ذهبوا أجمعين في البحر و هووا من البحر إلى النار. و أمّا فرعون فنبذه اللّه وحده و ألقاه بالساحل، لينظروا إليه و ليعرفوه و ليكون لمن خلفه آية و لئلا يشكّ أحد في هلاكه و أنّهم كانوا اتّخذوه ربّا، فأراهم اللّه إيّاه جيفة ملقاة بالساحل، ليكون لمن خلفه عبرة[٢].
و هذا حديث أغرب و أشبه بقصص القصّاصين!
*** قوله تعالى: وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ. قال الثعلبي إلى مصارعهم[٣].
و قال الفرّاء: قد كانوا في شغل من أن ينظروا، مستورين بما اكتنفهم من البحر أن يروا فرعون و غرقه، و لكنّه في الكلام كقولك: قد ضربت و أهلك ينظرون، فما أتوك و لا أغاثوك؛ يقول: فهم قريب بمرأى و مسمع.
و مثله في القرآن: أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ[٤]. و ليس هاهنا رؤية إنّما هو علم. فرأيت، يكون على مذهبين: رؤية العلم و رؤية العين؛ كما تقول: رأيت فرعون أعتى الخلق و أخبثه، و لم تره، إنّما هو: بلغك؛ ففي هذا بيان[٥].
قال الشيخ أبو جعفر الطوسي: و هذا الذي ذكره الفرّاء محتمل مليح، غير أنّه مخالف لقول المفسّرين كلّهم، فإنّهم لا يختلفون أنّ أصحاب موسى رأوا انفراق البحر و التطام أمواجه بآل فرعون حتّى غرقوا، فلا وجه للعدول عن الظاهر مع احتماله. و لأنّهم إذا عاينوا ذلك كان أشدّ في قيام الحجّة، و أعظم في ظهور الآية[٦].
و قال أبو جعفر الطبري: و يعني بقوله: وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ أي تنظرون إلى فرق اللّه لكم البحر و إهلاكه آل فرعون في الموضع الذي نجّاكم فيه، و إلى عظيم سلطانه في الّذي أراكم من طاعة البحر
[١] يونس ١٠: ٩٠- ٩٢.
[٢] قصص الأنبياء- الجزائري: ٢٧٢- ٢٧٣.
[٣] الثعلبي ١: ١٩٤.
[٤] الفرقان ٢٥: ٤٥.
[٥] معاني القرآن للفرّاء ١: ٣٦.
[٦] التبيان ١: ٢٩٩- ٢٣٠.