التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٦ - سورة البقرة(٢) الآيات ٨٩ الى ٩٣
فتلك أبأس الصفقات و أخسرها، إذ خسروا شرف الإنسانيّة النبيلة و الحياة العليا الكريمة إزاء مطامع سافلة و آمال خائبة لا محالة كما و قد خسروا سعادة الحياة في الدار الأخرى و سوف ينتظرهم العذاب المهين في ذلّ و هوان.
و لقد كان الذي حملهم على ارتكاب هذا العمل الشائن الخاسر، هو حسدهم أن يختار اللّه لرسالته التي انتظروها فيهم، محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم النبيّ العربيّ الكريم و حقدهم لأن ينزّل اللّه من فضله على من يشاء من عباده من سائر الأمم غيرهم. و ما هذا الحسد و الحقد إلّا بغيا و ظلما فاحشا و نكارة لحكمة اللّه في صنعه القويم. فكانت مغبّة هذا البغي و الاعتداء الفاحش أن عادوا بغضب على غضب. و هناك ينتظرهم عذاب مهين، جزاء الاستكبار و الحسد و البغي الذميم.
*** وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَ يَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ. و هذه هي الطبيعة التي تبدو هنا في يهود، هي الطبيعة الكنود، طبيعة الأثرة الضيّقة الّتي تعيش في نطاق من التعصّب الشديد و تحسّ أنّ كلّ خير يصيب من سواها كأنّما هو مقتطع منها، و لا تشعر بالوشيجة الإنسانية الكبرى، التي تربط البشرية جميعا. و هكذا عاشت اليهود في عزلة عصبيّة عمياء، و يتربّصون بالبشرية الدوائر و لا يزالون يكنّون للناس البغضاء، و يعانون عذاب الأحقاد و الضغائن. و يذيقون البشريّة رجع هذه الأحقاد فتنا يوقدونها بين الشعوب و هكذا يدبّرون للناس المكائد عبر التاريخ.
كانوا إذا دعوا للإيمان الصادق يتبجّحون بما عندهم و يرون فيه الكفاية ليدعوا ما سواه. في حين أنّ الذي عرض عليهم كان هو الحقّ المتوافق مع ما لديهم من حقائق ضاعت أكثرها.
*** و إنّه لعجب من موقفهم هذا، ما لهم و للحقّ؟! إنّهم يعبدون أنفسهم و يتعبّدون لعصبيّتهم ما داموا يستأثرون بما لديهم فحسب لا بل إنّهم يعبدون هواهم فلقد كفروا من قبل بما جاء به أنبياؤهم.
و كانوا يجابهونهم بالجحود و النكران و أحيانا بالقتل و التشريد.
قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إيمانا صادقا بالحقّ الذي عندكم- فيما زعمتم- فكيف جابهتم الّذين جاءوكم به بالعداء العارم؟!