التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٨ - سورة البقرة(٢) الآيات ٦٥ الى ٦٦
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٥ الى ٦٦]
وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَ ما خَلْفَها وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)
تلك كارثة أخرى واجهت حياة بني إسرائيل تنبئك عن النكث و النكسة، و التحلّل من العهد الذي تعاهدوا عليه، و ضعف مقدرتهم الإيمانيّة عن احتمال التكليف و رعاية الحدود المضروبة عليهم. ضعفا أمام هوى عاجل و ترجيحا للنفع القريب.
و قد فصّل القرآن حكاية اعتدائهم في السبت في سورة الأعراف: وَ سْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَ يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ[١].
كانوا قد طلبوا أن يكون لهم يوم راحة و قداسة، يستريحون فيه عن متاعب الحياة الدنيا و مكاسبها المضنية، و يقبلون فيه إلى عبادة ربّهم لا يشغلهم عنها شيء.
فجعل اللّه لهم يوم السبت راحة مقدّسة لا يعملون فيه للمعاش لكنّهم اعتدوا و تجاوزوا الحدّ المضروب لهم.
قال ابن عاشور: و الاعتداء الواقع منهم هو اعتداء أمر اللّه تعالى إيّاهم من عهد موسى عليه السّلام بأن يحافظوا على حكم السبت و عدم الاكتساب فيه، ليتفرّغوا للعبادة بقلب خالص من الشغل بالدنيا.
قال: فكانت طائفة من سكّان أيلة[٢] على البحر رأوا تكاثر الحيتان يوم السبت بالشاطئ، لأنّها إذا لم تر سفن الصيّادين و شباكهم أمنت فتقدّمت إلى الشاطئ تفتح أفواهها في الماء لابتلاع ما يكون على الشواطئ من آثار الطعام و من صغير الحيتان و غيرها فقالوا: لو حفرنا لها حياضا
[١] الأعراف ٧: ١٦٣.
[٢] أيلة، بفتح الهمزة و بتاء تأنيث في آخره، بلدة على خليج صغير من البحر الأحمر في أطراف مشارف الشام و تعرف اليوم بالعقبة. و هي غير إيلياء، بكسر الهمزة و بياءين ممدودتين، هو اسم بيت المقدس.