التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٠ - سورة البقرة(٢) الآيات ٦٥ الى ٦٦
قال أبو جعفر: هذه الآية و آيات بعدها ممّا عدّد- جلّ ثناؤه- فيها على بني إسرائيل الّذين كانوا بين خلال دور الأنصار زمان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الّذين ابتدأ بذكرهم في أوّل هذه السورة، من نكث أسلافهم عهد اللّه و ميثاقه ما كانوا يبرمون من العقود، و حذّر المخاطبين بها أن يحلّ بهم- بإصرارهم على كفرهم و مقامهم على جحود نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تركهم اتّباعه و التصديق بما جاءهم به من عند ربّه- مثل الذي حلّ بأوائلهم من المسخ و الرّجف و الصّعق، و ما لا قبل لهم به من غضب اللّه و سخطه.
[٢/ ٢٣٢٠] فعن أبي روق، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس في قوله: وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ يقول: و لقد عرفتم، و هذا تحذير لهم من المعصية، يقول: احذروا أن يصيبكم ما أصاب أصحاب السبت إذ عصوني، اعْتَدَوْا يقول اجترءوا في السبت. قال: لم يبعث اللّه نبيّا إلّا أمره بالجمعة و أخبره بفضلها و عظّمها في السماوات و عند الملائكة، و أنّ الساعة تقوم فيها، فمن اتّبع الأنبياء فيما مضى كما اتّبعت أمّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم محمّدا قبل الجمعة و سمع و أطاع و عرف فضلها و ثبت عليها بما أمره اللّه تعالى به و نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و من لم يفعل ذلك كان بمنزلة الّذين ذكر اللّه في كتابه، فقال:
وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ. و ذلك أنّ اليهود قالت لموسى حين أمرهم بالجمعة و أخبرهم بفضلها: يا موسى كيف تأمرنا بالجمعة و تفضّلها على الأيّام كلّها، و السبت أفضل الأيّام كلّها لأنّ اللّه خلق السماوات و الأرض و الأقوات في ستّة أيّام و سبت[١] له كلّ شيء مطيعا يوم السبت، و كان آخر الستّة؟ قال: و كذلك قالت النصارى لعيسى بن مريم حين أمرهم بالجمعة، قالوا له: كيف تأمرنا بالجمعة، و أوّل الأيّام[٢] أفضلها و سيّدها، و الأوّل أفضل، و اللّه واحد، و الواحد الأوّل أفضل؟ فأوحى اللّه إلى عيسى أن دعهم و الأحد، و لكن ليفعلوا فيه كذا و كذا ممّا أمرهم به. فلم يفعلوا، فقصّ اللّه تعالى قصصهم في الكتاب بمعصيتهم. قال: و كذلك قال اللّه لموسى حين قالت له اليهود ما قالوا في أمر السبت: أن دعهم و السبت فلا يصيدوا فيه سمكا و لا غيره، و لا يعملون شيئا كما قالوا. قال: فكان إذا كان السبت ظهرت الحيتان على الماء فهو قوله: إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً[٣] يقول: ظاهرة على الماء، ذلك لمعصيتهم موسى. و إذا كان غير
[١] سبت: سكن.
[٢] يريدون الأحد.
[٣] الأعراف ٧: ١٦٣. و حيتان شرّع أي شارعات من غمرة الماء إلى الجدّ، لسان العرب ٨: ١٧٨.