التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧٢ - سورة البقرة(٢) آية ١٠٤
فمن دسائسهم اللئيمة تلك تصرّفاتهم الغاشمة لخداع المسلمين، ليرافقوهم في الاستهانة بموضع الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و في ستار خادع.
يتّجه الخطاب نحو الّذين آمنوا يناديهم بالصفة التي تميّزهم عن أولئك المراوغين، و التي تربطهم بربّهم و نبيّهم، و التي تستجيش في نفوسهم الاستجابة و التلبية:
فيدعوهم إلى ترك قولة قد تستغلها اليهود اللؤماء للاستهانة بموضع الرسول و الاستهزاء بموقفه الكريم. ينهاهم أن يقولوا «راعنا»- من الرعاية لحال المخاطبين- ليرفق بهم في الكلام و يتريّث كى يسهل عليهم فهمه.
غير أنّ هذه اللفظة كان يستغلها اليهود فرصة لئيمة. فكانوا ينطقون بها مع شيء من تغيير اللهج بها لتصبح كلمة فحش في العبريّة، فيسخرون من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في غوغاء عارم.
قال تعالى: مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَ يَقُولُونَ سَمِعْنا وَ عَصَيْنا وَ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَ راعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَ طَعْناً فِي الدِّينِ وَ لَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا وَ اسْمَعْ وَ انْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَ أَقْوَمَ وَ لكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا.[١]
و اللّيّ: الفتل. و أصله اللوي، عن «لوى يلوى ليّا و لويا الشيء، بمعنى: فتله و ثنّاه و المراد- هنا- العطف باللسان لتحريف اللهج بالكلام.
[٢/ ٢٩٠١] قال ابن عبّاس: كان المسلمون يقولون للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: راعنا، على جهة الطلب، و الرغبة- من المراعاة- أي التفت إلينا، و كان هذا بلسان اليهود سبّا، فاغتنموها، و قالوا: كنّا نسبّه سرّا فالآن نسبّه جهرا. فكانوا يلهجون بها و يتضاحكون فيما بينهم، فنهي المسلمون عن التلهّج بها و إبدالها بما يرادفها في المعنى، تحذيرا من تواجد الفرصة لليهود فيستغلوها مسبّة عارمة.[٢]
قال الحسين بن عليّ المغربيّ[٣]: بحثت عن ذلك فوجدتهم يقولون: راع، على وزان قال- فعلا
[١] النساء ٤: ٤٦.
[٢] راجع: القرطبي ٢: ٥٧.
[٣] هو الوزير الموفّق أبو القاسم المغربيّ من شيوخ النجاشي. كان أديبا شاعرا فاضلا مترسّلا كثير الفنون، حافظا و كبيرا من العلماء، عالما بالحساب و الجبر و الهندسة. قال ابن أبي الحديد: و كان غاليا في تعصّبه لقحطان مع تشيّعه! توفّي في النصف من رمضان سنة ٤١٨ ه بميافارقين و كان أوصى بدفن جثمانه في جوار الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام فانتقل إليه. كما أوصى أن يكتب على قبره هذان البيتان:
|
كنت في سوء الغواية و الجهل |
مقيما فحان منّي قدوم |
|
|
تبت من كلّ مأثم فعسى |
يمحى بهذا الحديث ذاك القديم |
|